“تهريبة” جلسة الثقة: بيان حكومة الفراغ وتخشّب السلطة

منير الربيع|الثلاثاء11/02/2020
Almodon.com

استنجد برّي بالحريري وجنبلاط لتأمين النصاب (عباس سلمان)

أثناء تلاوة الرئيس حسان دياب بيان حكومته الوزاري لنيل ثقة مجلس البواب، استعاد أحد النواب قول رئيس الحكومة الراحل صائب سلام، في أمين الحافظ الذي خلفه رئاسة الحكومة العام 1973: “هذا الرجل طفل في السياسة وقزم في رئاسة الحكومة”. وتابع النائب نفسه قائلاً: لو كان صائب سلام ورشيد كرامي على قيد الحياة، لما كان توصيفهما لدياب ليختلف. فمعتلي منبر جلسة الثقة بحكومته خطيباً، ظهر بلا روح، وكلامه خشبي اعتاده اللبنانيون في كل بيان وزاري.

بيان الفراغ
لم تقدّم كلمة دياب ما يمكن التعويل عليه في شيء. فراغ كامل شامل. فيما يحتاج لبنان إلى خارطة طريق جدية أو برنامج للخروج من الأزمة العاصفة. بيان وزاري للفراغ والتوليفات اللغوية القديمة لا يجدّدها سوى التلاعب بها لفظياً. ويختصر هذا التلاعب ما لجأت إليه لجنة صوغ البيان الوزاري في بند السياسة الدفاعية، وملف المقاومة وسلاح حزب الله. وهذه من ثوابت الحكومات المتعاقبة منذ معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، وتغييرها في ما بعد، في حكومة الحريري، إلى “يحق للبنان والشعب اللبناني مقاومة أي اعتداء على أراضيه”. يومها خرج الوزراء متباهين بأن اللغة العربية صاحبة معجم واسع وشامل، يمكّن من المناورة “والكذب” كلامياً، لتمرير الموقف.

الأسلوب نفسه اعتُمد في بيان حكومة حسان دياب، في صيغة: “لن نألو جهداً ولن نوفر مقاومة للدفاع عن الأراضي اللبنانية وتحرير الأراضي المحتلة، بمواجهة عدو يتربص بالحدود والثروات البرية والبحرية”.

لحن الجفاف
على هذه القاعدة يمكن قراءة البنود التي تضمنها البيان الوزاري كله: غياب أي مضمون جدّي، أو حيوية. بل استخدام أساليب لغوية لفظية، تفتقد أي تطور في الأداء، وتقرأ بل تتقيأ ما في كتب الأسلاف. يحمِّل دياب المسؤولية للحكومات التي سلفت، ويصف حكومته بالإنقاذية من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يرزح تحتها لبنان (وكان عليه أن يقول الثقافية ليكتمل اللحن). ويكمل أهزوجته قائلاً: التي يجب مواجهتها بورشة إصلاح تشريعي ومالي وقضائي وإداري. ديماغوجية خشبية إلى آخر خشب الكلام. ثم تحدث عن الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، وكأن ذلك يحصل بسحر ساحر أو كبسة زرّ.

صفر الكهرباء المدوي
لا يصلح البيان لغير الشكوى التي يتقدم بها الناس للمسؤولين، لا العكس. في مضمونه لا يتخطى البيان الكلام الذي يقوله أي مواطن لبناني، ينتظر خطة جدية يعلم أن هكذا حكومات لن تقدمها: لا رؤية، وانفصال عن الواقع، وغياب أي جدية في مقاربة الملفات الداهمة، ولا سيما المالية التي تحتاج إجراءات عاجلة وسريعة لإنهاء عملية إذلال اللبنانيين المستمرة منذ أشهر.

يتحدث رئيس الحكومة عن حماية الحريات العامة، والتواصل مع المنتفضين، فيما الجيش والقوى الأمنية تحاصرهم وتنكل بهم على الأرصفة، والنواب الذين يمنحون الحكومة الثقة، يتسللون إلى الجلسة، منفصلين عن الواقع والناس وهمومهم واهتماماتهم. ولو كان الكلام يطابق الواقع، لما شارك النواب في الجلسة، ولما حاصرت الحكومة نفسها بجدران من الإسمنت. والأفظع هو الكلام الممجوج عن خطة الكهرباء والطاقة، التي صمّت آذان اللبنانيين من كثرة الكلام عن خطة إصلاحية في حكومات متعاقبة، ولا تزال نتيجتها صفراً مدوياً منذ العام 2010. والصفر إياه يدوي في الخطة الجديدة، بلا أي إجراء إصلاحي حقيقي في هذا الملف الذي يكبد لبنان سنوياً أكثر من مليارين ونصف المليار من الدولارات.

التلاحم الخشبي 
البيان الخشبي لا يختلف عن السياسات الخشبية التي تنتهجها القوى على اختلافها. وهذه حال خطاب رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد، الذي نسف البيان الوزاري، وقلل من أهمية مضمونه، ثم إعلن منح كتلته الثقة للحكومة. وهذا رئيس التيار العوني جبران باسيل يكرر معزوفاته. أما الموقف الأصعب فكان من نصيب الكتل التي رفضت منح الثقة للحكومة، ولم تصوت لرئيسها، فأحضرت نوابها إلى المجلس “للتلاحم الخشبي” الذي فرض عليها المشاركة، وتأمين النصاب، مدّعية المعارضة من داخل المؤسسات.

لا يحسد تيار المستقبل، ولا الحزب التقدمي الإشتراكي، ولا القوات اللبنانية، على مواقفهم أمام جمهورهم. فلو تغيبوا لتعطّل النصاب. ولكن ثمة ما هو أقوى يربطهم بالقوى السياسية التي تقف على طرف نقيض مع توجهاتهم السياسية. لكن موقفهم هذا تترتب عليه تداعيات كثيرة، سياسياً وشعبياً، في المرحلة المقبلة.

بري يستنجد
كان الرئيس بري مصراً على تمرير الجلسة. يريد الحفاظ على صورة للسلطة، للالتفاف على الصورة الحقيقية للانهيار الكامل. استنجد بالحريري وجنبلاط. رفض نواب المستقبل المشاركة في الجلسة، على الرغم من قرار الحريري بضرورة المشاركة فيها. رفضوا النزول، لكن الحريري أصر. اتصل رئيس المجلس بالحريري وجنبلاط، فسارع نواب اللقاء الديمقراطي إلى إنقاذ الجلسة.

دخل نواب اللقاء الديمقراطي إلى بهو المجلس، ودخل أحدهم إلى القاعة العامة ليصبح عدد النواب 65، اللازم لتأمين النصاب. وتبعه نائبان آخران، ليصبح العدد 67، فافتتح بري الجلسة، وسط التباس استمر أكثر من نصف ساعة، حول دستورية الجلسة من عدم دستوريتها. فهي عقدت بخلاف الدستور لعدم توفر النصاب القانوني. لكن برّي نفى ذلك، مؤكداً أن افتتاح الجلسة حصل بحضور 67 نائباً.

لم يكن هذا الالتباس الوحيد. فلا المواد الدستورية الواجب تلاوتها تُلِيت في افتتاح الجلسة، ولا مواد النظام الداخلي أو مراسيم تشكيل الحكومة، ولا حتى أسماء النواب المتغيبين عن الجلسة.

لم تكن الجلسة أقل من تهريبة، كتهريبة تكليف دياب وتشكيل حكومته، التي هرّبت في ليالٍ حالكة على اللبنانيين الذين يصرّون على استمرار انتفاضتهم بعيداً عن حسابات القوى السياسة كلها. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*