تهديد نصرالله وتصعيد واشنطن: نذير اقتراب ساعة المواجهة في المنطقة؟

التهديد الاخير الصارخ والحاد الذي بادر الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله اول من امس الى اطلاقه في وجه الادارة الاميركية، والذي توعّد فيه بـ”رد مناسب وقوي” ضد أي عمل عسكري تفكر واشنطن في الإقدام عليه ضد محور المقاومة مجتمعاً أو فرادى، وهو التهديد الذي أتى رداً على قرار الرئيس الاميركي وضع “الحرس الثوري الايراني” على قائمة “المنظمات الارهابية” وما أعقبه من رد فعل غاضب ومتوتر من جانب طهران، كلها تركت انطباعاً بان نذر الحرب والمواجهة قد تجمّعت في سماء الاقليم، وان ساعة المنازلة الموعودة باتت آتية ولاريب فيها.

فالاحتقان صار، كما هو جليّ، سيد الموقف ويملك قابلية التصاعد الى حد الانفجار مع ترقّب حزمة العقوبات الاميركية الثالثة والأشد قسوة على طهران في ايار المقبل، وهو ما من شأنه، وفق تقديرات، ان يفضي بشكل او بآخر الى خنق هذا البلد الذي يوشك ان يلفظ أنفاسه، مالياً واقتصادياً، ما يعني في خاتمة المطاف ان العاصمة الايرانية لم يعد بإمكانها ان تظل مكتوفة وقادرة على التحمّل والصمود ومزيد من شد الاحزمة، امام خطر الاجهاز عليها ما لم ترفع راية الاستسلام والتسليم والاذعان، الأمر الذي لا يبدو وارداً لدى الحكم الاسلامي الذي دخل عامه الاربعين.

وفي الوقت عينه، يشي مسار الامور في الكيان العبري بان تل أبيب شرعت تعدُّ مسرحها السياسي الداخلي وتوطِّن جمهورها على تقبّل تدريجي لفكرة المواجهة مع “حزب الله”. فهي تطلق يومياً ما يوحي بانه لم يعد في الامكان التعايش مع تعاظم ترسانة الحزب وتضخّم جسمه العسكري عدداً وخبرات قتالية عالية.

وامام هذه الوقائع وسواها، والتي يُسمع من خلالها قرع طبول الحرب، فان السؤال المطروح هو: هل ان الساعة التي يُخشى منها منذ زمن قد اقتربت، أم ان المشهد الدرامي برمّته ما برح عند حدود حرب مؤجلة أو مودعة في ضمير التطورات؟

الخبراء المتضلّعون من تاريخ الصراع العربي – الاسرائيلي المتوالي فصولاً منذ نحو ثمانية عقود، والذي اتخذ منحى متمايزاً خصوصاً بعد حرب تموز 2006، وفي مقدمهم بطبيعة الحال “حزب الله” المعني الاول والمباشر في هذا الصراع، لهم حسابات وقراءات خاصة تصل الى حد الثبات.

حسابات الحزب الداخلية باتت تنهض ضمناً على استنتاج فحواه انه سيأتي يوم تندلع فيه هذه المواجهة التي ربما اتخذت صفة الحسم وغلبة أحد الطرفين. وهذا الاستنتاج الثابت ليس مستمداً من اعتقادات وقراءات ايديولوجية ودينية فحسب، بل ان الحزب لا يخفي اطلاقاً ان الإعداد لهذه الساعة من جانبه يسير على قدم وساق، ويتم التعامل مع هذا الاحتمال على انه واقع، طال الزمن أم قصر.

ومع هذا النوع من التسليم، فان دوائر القرار في الحزب لا ترى ان الحرب قريبة او هي تدخل في حساب الساعات والايام والاشهر، بل انه احتمال في حكم المرجأ على الاقل من الطرف الآخر، أي الاسرائيلي والاميركي. وبما ان الاعتقاد هو كذلك، فان التهديدات والاستعراضات الجارية من الطرفين المعنيين يشبّهه البعض بما كان يُسجَّل في “أيام العرب” في حقبة الجاهلية، حيث كان الرجز والتلويح والعراضات البدوية على اختلاف ألوانها، وهي قد تستمر أشهراً وتنتهي بلا حرب.

واذا كانت “المواجهة المرجأة” احتمالاً له اعتبار في حسابات الحزب والمحور المنضوي تحت لوائه، فان السؤال: لماذا كل هذا التصعيد الملموس من الجانبين، والذي يشي بأن السيل بلغ الزبى وان المواجهة حتمية ووشيكة؟

لهذا الأمر فلسفته المتكاملة لدى الدوائر عينها، وهي تجد طريقها الى قواعد الحزب المتلهّفة ضمناً لساعة المواجهة، ولاسيما انها ترغب في الرد على التحديات، فضلاً عن ان ثقتها بفائض قوتها وقدراتها مبعثها شعار يفرض نفسه وجوهره انه اذا كان لا بد من المواجهة فلتكن الآن، لأنها ترفض ان تطول ايام اللاحرب واللاسلم.

ولهذه الفلسفة منطلقها ومتنها وخبرها، وهي تنطلق من قناعة بان الرئيس الاميركي يريد في اسرع وقت ان يتفرغ لمواجهة كبرى مع الصين والحيلولة دون تمددها، ولهذه الغاية بات يتعين تصفية كل بؤر التوتر القديمة التي تدخل واشنطن فيها طرفاً وفي مقدمها الصراع العربي – الاسرائيلي.

وفي هذا السياق، المطلوب الضغط لتطبيق مندرجات “صفقة القرن” كاملة وبشكل نهائي.

واذا كان مسرح القبول العربي الرسمي بهذه الصفقة قد هيّىء من خلال الانفتاح المستمر بين تل ابيب وعواصم عربية اساسية، واذا كان النظام الرسمي في حال انعدام وزن تام، فقد بات المطلوب تطويع ايران كونها تشكل واسطة العقد لمحور المقاومة والممانعة، لذا فان حلقات الخنق والحصار عليها قد نضجت من خلال اجراءات غير مسبوقة من حيث الحجم والتأثير.

وعليه، فاذا ما قُيّض لادارة ترامب ان تحقق هذا الهدف المنشود منذ زمن، فان الاعتقاد بان زمن تصفية “القضية الفلسطينية” وما تمثله ماضياً وحاضراً ومستقبلاً قد اوشك على التحقق. فبعد اعتراف واشنطن بشرعية الاحتلال الاسرائيلي لمرتفعات الجولان السورية، يصير الإقرار بالسيطرة الاسرائيلية على الضفة الغربية كاملة تحصيل حاصل وأمراً يسيراً تمريره، ومن ثم يصير أمر نقل فلسطينيي الـ48 لاحقاً الى شبه جزيرة سيناء كما هو مخطط، مسألة وقت لأنها لن تجد مَن يعترض عليها.

ووفق المعلومات والتقديرات المعروضة امام الدوائر عينها، فان العمل جار على قدم وساق ليكون هذا التصور مقضياً في الولاية الثانية للرئيس ترامب عام 2020. واذا كانت تلك حسابات واشنطن وتل ابيب، فان لدى الفريق الآخر المناوىء حسابات ورهانات اخرى معاكسة تماماً.

IBRAHIM.BAYRAM@ANNAHAR.COM.LB

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*