تلوّث المياه في لبنان: فشل في إدارة القطاع … وإهمال في تطبيق القوانين

سلوى بعلبكي
النهار
09102018

… و”جعلنا من الماء كل شيء حي”: قرآن كريم. ولكن في لبنان “إنقلبت” الآية ليجعلوا في الماء كل شيء مميت.

لا يقتصر الفشل والتخبط في الخدمات التي تقدمها المؤسسات العامة الاستثمارية الخاضعة لوصاية الطاقة والمياه على قطاع الكهرباء، بل يشمل قطاع المياه، المنظم بالقانون 221/ 2000. وما أثير نهاية الأسبوع وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي حول ظهور تلوث خطير في المياه الموزعة في بعض مناطق الضاحية الجنوبية، إلا خير دليل على ذلك، وإن كانت إدارة مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان أصدرت بياناً شككت فيه بخلفيات هذه الأخبار عبر دعوتها المواطنين الى “التحقّق” من خلفيتها، ووعدت باجراء التحقيقات والمعالجة!.

42 شركة مياه مرخّصة فقط من أصل مئات الشركات غير المرخصة

فبعد تلوّث مياه الليطاني وريّ المزروعات بمياه الصرف الصحي، يبدو أن التلوث وصل الى فم المواطن ومعدته، في ظل الفوضى التي تعم قطاع المياه دون أي رقابة، الى درجة لم يعد ممكناً السكوت بعدما ثبت اختلاط المياه التي توزعها المؤسسات العامة للمياه على بيوت المواطنين في أكثر من منطقة، من خلال شبكاتها المهترئة. ولا يقف الامر عند هذا الحد، إذ يستعين المواطنون بمياه الصهاريج من آبار غير مرخصة، ومياه بالغالونات توزعها شركات الى المكاتب والمنازل، أو من محال لا تخضع لأي رقابة، فيما يسعى البعض للحصول عليها بالانتقال الى ينابيع متاحة للعموم، وأخرى توفرها بعض الجمعيات الخيرية للسكان في الأحياء الفقيرة في خزانات معدنية موزعة على الطرقات ينال منها الغبار ويعلوها الصدأ. والاخطر هي المياه التي يشربها تلامذة المدارس الرسمية الذين لا تسمح أوضاعهم الاقتصادية بشراء عبوات البلاستيك.

فمن هي الجهة المسؤولة عن هذا التشتت والتقصير في تأمين خدمة المياه وتلبية حاجة المواطن، بما يوفر له الأمان والحماية والاطمئنان ويراعي أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، وفق ما ينص عليه قانون تنظيم قطاع المياه الصادر بالرقم بالقانون 221/2000؟

800 مليون ليتر من المياه سنوياً تعبّئها شركات المياه المرخصة

هذه التساؤلات، تستدعي القاء نظرة شاملة على النصوص التي ترعى قطاع المياه، وتشمل تدخل الجهات والمنظمات والهيئات الدولية والمحلية التي تقلص تدخلها بشكل واضح مع موجة النزوح السوري، فبدت وكأنها تسعى الى توفير ظروف أفضل لتثبيت هؤلاء حيث هم.

يفيد مطلعون في هذا المجال الى ارتفاع درجة اعتماد مؤسسات المياه على الهبات والمساعدات التي تقدمه المنظمات والهيئات والمرجعيات وتزايدها، لناحية العدد وإجمالي قيمتها، بشكل لافت خلال الاعوام الأخيرة اعتباراً من 2011.

بالعودة الى النصوص القانونية التي ترعى شؤون المياه، لا بد من الانطلاق من قانون تنظيم قطاع المياه بالقانون رقم 221/ 2000 المذكور آنفاً. هذا القانون أولى وزارة الطاقة والمياه “تأمين العلاقات العامة مع المواطنين وإعلامهم بما يهمهم في شؤون المياه وترشيد استخدامها، وكذلك تتولى المشاركة في التخطيط لحماية المصادر المائية، وتدريب الفنيين في المؤسسات العامة للمياه والصرف الصحي والإشراف على عملهم”. وتلا صدور هذا القانون صدور المرسوم رقم 16111/2006، الذي نص على استحداث وحدة منسقين، تتولى في وزارة الطاقة والمياه “مراقبة نوعية المياه في جميع المؤسسات العامة الاستثمارية للمياه وأخذ عينات للتأكد من سلامتها والمشاركة في التخطيط لحماية المصادر المائية، وكذلك تتولى تدريب فنيين في المؤسسات المذكورة والإشراف على عملهم في المختبرات”، فإلى أي مدى قامت هذه الوحدة بوظيفتها؟ وماذا عن موقف وزير الوصاية ومسؤوليته، لا سيما وأن المؤسسات المعنية تزوده تقارير دورية حول نتائج الفحوص المخبرية التي تجريها هذه المؤسسات وغيرها من الجهات المهتمة أو المعنية، مثل الجامعة الأميركية ومركز الأبحاث الزراعية ومنظمة الصحة العالمية و”اليونيسف”. فهل وضعت هذه النصوص موضع التطبيق، وهل تولي وزارة الوصاية الاهتمام اللازم حيال تأمين المياه الصالحة للمواطنين، وهل تولي شكاوى المواطنين الاهتمام والعناية؟

174 قناة صرف صحي تصبّ في نهر الليطاني

تفيد مصادر متابعة لشؤون المياه وأنشطة وزارة الطاقة في هذا المجال أن المواطن يجد صعوبة في إيصال شكواه، وهو اذا وصل لا يحصل على الجواب المقنع والشافي، لا بل تتشابه الاجابات من شح المياه وغضب الطبيعة وصعوبة ظروف المؤسسة على مختلف مستوياتها المالية والتقنية والإدارية والموارد البشرية (اعتماد المؤسسة على مياومين بسبب الشغور الذي تعانيه، ومجالس الإدارة منتهية ولايتها واقتصر التعيين أخيراً على رؤساء مجالس الإدارة – مدرائها العامين). وتبين أن آلية تلقي الشكاوى في الوزارة من المعلومات القليلة المتوافرة، تقتصر على صندوق فارغ معلق في مدخل مبنى الوزارة، ومن يسعفه الحظ يتمكن من ايصال شكواه عبر “معارفه” ومراجعة المدير العام للاستثمار أو أحد العاملين معه، علماً أن ثمة حالات تتعذر فيها المعالجة بالسرعة أو النوعية المرجوة.

وتشير المعلومات إلى غياب شبه كامل لوزارة الطاقة وعجز وحدة المنسقين عن القيام بواجباتها ومهماتها التقنية بسب إلغاء المختبر المتواضع في طابق الوزير وتحويله الى “مطبخ”، (عمل المختبر كان يهدف الى التحقق من النتائج المخبرية التي تبلغها المؤسسات للوزارة، اضافة الى فحص مصادر مياه غير تلك التي تفحصها المؤسسة أو تتجنب ابلاغها للوزارة)، إخلاء مكتب رئيس المنسقين وضمه إلى جناحه. وتضيف مصادر مطلعة أن إحدى المنظمات الدولية عرضت المساعدة لإنشاء مختبر وتدريب المنسقين، ولكنه انتهى في أدراج الوزير ومستشاريه.

في الموازاة، وعلى هامش الوضع الكارثي الذي يعاني منه قطاع المياه نتيجة اهتراء الشبكات وتعذّر بناء شبكات جديدة وإنتشار الآبار العشوائية والجور الصحية وعدم كفاية محطات تكرير الصرف الصحي، وعجز المؤسسات عن توفير التمويل اللازم لتشغيل هذه المحطات التي تم بناؤها في إطار تطبيق اتفاق حماية شاطىء المتوسط (بعضها بمساعدات خارجية)، يستمر تداخل مياه الصرف الصحي بمياه الآبار الإرتوازية ويستمر الحفر العشوائي للآبار التي تزيد من حدّة أزمة المياه والشح والتلوّث.

وفيما تعتبر المصادر أن نقل مستشارة الوزير المعنية بشؤون المياه واستراتيجيتها إلى مجلس الإنماء والإعمار على خلفية اخطاء ارتكبتها، لا يكفي لمعالجة الأزمة التي يبدو أنها اندلعت ويصعب لملمتها، دعت في المقابل الى ايجاد إطار للتعاون بين مختلف الجهات المعنية بمعالجة الأزمة، بما فيها وزارات الصحة والبيئة والتربية والداخلية والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني والبلديات والهيئة العليا للإغاثة والمنظمات الدولية والجهات المانحة المهتمة والمستعدة للتعاون.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*