تلوث الهواء في لبنان: مستويات خطيرة وكارثة مقبلة

سامي خليفة|الخميس08/08/2019
Almodon.com

ذاهبون لا محالة لوضع بالغ السوء (ريشار سمور)

ارتفعت نسب تلوث الهواء في لبنان بشكل هائل، خلال العقد الماضي. وتجاوزت المستويات المسموح بها وفق منظمة الصحة العالمية. ومع اعتماد الحكومة اللبنانية التدابير التقشفية، شهدت وزارة البيئة تخفيضاً في ميزانيتها، ما تسبب في إغلاق محطات رصد تلوث الهواء في جميع أنحاء البلاد، في حين يستمر مستوى التلوث بالارتفاع ليصل إلى مستوياتٍ خطيرة.

لا مراقبة للتلوث
تم إنشاء الشبكة الوطنية لرصد نوعية الهواء، والتي تقيس مستويات التلوث في لبنان، وتسمح لوزارة البيئة بتنظيم الملوثات في الهواء، في عام 2013 مع افتتاح خمس محطات، بعد أن تلقى لبنان منحة قدرها 1.64 مليون دولار من اليونان. وجاءت المرحلة الثانية في عام 2017 بمنحة من الاتحاد الأوروبي بلغت حوالى 8.9 مليون دولار وشهدت إنشاء 21 محطة إضافية.

ونظراً لأهمية هذه المحطات والمخاطر التي تسببت بازدياد نسبة الأمراض الخطيرة، نشر موقع “مونيتور” الأميركي، تحقيقاً سلط فيه الضوء على هذه الأزمة البيئية. وبعد أن نقل الموقع انزعاج وفد الاتحاد الأوروبي من قرار الحكومة الذي وصفوه بالخطير، قال باسل منذر من قسم جودة الهواء بوزارة البيئة اللبنانية للموقع، إن هذه هي المرة الأولى التي تضطر فيها الوزارة إلى تمويل صيانة جميع المحطات، إذ كانت في السابق تحتاج فقط لتمويل خمس منها، فيما يتم تمويل ما تبقى من خلال الاتحاد الأوروبي. مضيفاً إنه من دون المحطات، لا يمكن للحكومة أن تكون حازمة بشأن مستوى التلوث في الهواء المحيط ومعايير الملوثات.

قرار كارثي
في حين أن محطات رصد تلوث الهواء يجب أن تكون أولوية للحكومة اللبنانية، مع التقارير المتواصلة عن ازدياد نسبة الأمراض، ذهب السياسيون في لبنان في الاتجاه المعاكس. ويعزو ذلك الدكتور شربل عفيف، أستاذ الكيمياء الجوية في جامعة القديس يوسف، لنقص التمويل. إذ تحتاج وزارة البيئة 500 ألف دولار سنوياً للحفاظ على نتائج دقيقة وموثوقة. بينما تبلغ ميزانية وزارة البيئة حوالى 9 ملايين دولار. جاء خفض ميزانيتها بأكثر من 20 بالمئة، ليجعل الاستمرار في العمل على المحطات أمراً صعباً.

إلا أن عفيف يؤكد للموقع أن ذلك يجب أن أولوية بالنسبة للحكومة، لأن القياسات ضرورية لتحديد كيفية عمل السياسات البيئية اللبنانية. وأضاف قائلاً “لا يمكننا فعل ذلك بالقول: أوه، نعم، التلوث قد يتناقص. نحن بحاجة إلى أرقام؛ ومعرفة كيف تعمل الأشياء حقاً. مع هذا الاغلاق، لن نعرف ما هو التأثير الكمي للتلوث”.

أسباب التلوث
تُعتبر المصادر الرئيسية التي تسبب زيادة تلوث الهواء في لبنان كثيرة، ونذكر منها حركة المرور ومحطات الطاقة والصناعات المختلفة التي تطلق الجسيمات في الهواء. وهناك ثلاثة أشكال رئيسية لتلوث الهواء في لبنان على المستوى الوطني: أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين والمركبات العضوية المتطايرة. ومصدرها الرئيسي هي حركة المرور. ثم لدينا ثاني أكسيد الكبريت الذي يعود بشكل أساسي إلى محطات توليد الطاقة. كما لا بد أن نضيف المولدات الخاصة كواحدة من أكبر الملوثات، لأنها تقع في المناطق السكنية ولديها إمكانات أكبر لإحداث مشاكل صحية للسكان.

علمياً، يعني تخطي لبنان للنسب المسموحة عالمياً، أن الجزيئات الصغيرة الناتجة عن الانبعاثات واحراق النفايات، ستدخل جسم الإنسان، وهذا ما يؤدي إلى مخاطر صحية متزايدة على الأشخاص الذين يتنفسون الهواء الملوث بشكل منتظم. ممكن أن تتراوح من الأمراض البسيطة، وتطور السعال وحتى الوفيات المبكرة والأمراض السرطانية.

مستويات التلوث
يشير الموقع الأميركي أن مستويات تلوث الهواء في لبنان لم تصل بعد إلى مستويات خطيرة مثل تلك الموجودة في الصين أو الهند، إلا أن البلاد في طريقها إلى مستويات كارثية. وبهذا الخصوص يوضح عفيف إن هذا قد يحدث في أقل من عقد. ففي الوقت الحالي، يبلغ معدل تلوث الجسيمات في بيروت (PM2.5) حوالى 32 ميكروغرام لكل متر مكعب، بينما يبلغ مستواه في العاصمة الهندية “نيودلهي” 122 ميكروغرام.

يضيف عفيف في حديثه مع الموقع، أن الوضع يمكن أن يصبح سيئاً للغاية خلال سبع إلى عشر سنوات إذا كان لدينا الكمية نفسها من الانبعاثات، وإذا كان لا يزال لدينا محطات توليد كهرباء تعمل على زيت الوقود الثقيل، وجميع المولدات الخاصة داخل الأحياء. وبينما يزداد الطلب على الكهرباء، وغياب وسائل نقل عام، وعدم تطبيق قوانين بيئية فعالة على الصناعات، فإننا ذاهبون لا محالة لوضع بالغ السوء.

كما لا بد من الإشارة أن التكاليف الاقتصادية والصحية لهذا التلوث أثبتت أنها باهظة أيضاً. وقد قدرت دراسة أجراها البنك الدولي في عام 2013 أن تلوث الهواء في لبنان تسبب في وفاة أكثر من 1800 شخص، وكبد المجتمع اللبناني خسارة بلغت حوالى 2.6 مليار دولار.

الحلول
في معرض استعراضه للحلول الممكنة، يقول عفيف أننا نحتاج إلى تقليل عدد المركبات على الطريق. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كان لدينا وسائل نقل عام فعالة. ويجب أن يشمل نظام النقل العام القطارات، والأهم من ذلك، الحافلات التي تعمل وفقاً لجدول زمني موثوق، ولديها خطط بدلاً من نظام الحافلات غير الرسمي الموجود حالياً في جميع أنحاء لبنان.

وعن تحميل المسؤوليات، ختم عفيف بالقول أن “البيئة ليست مشكلة وزارة البيئة وحسب”. فوزارة البيئة ليست هي الجهة التي تنظم حركة المرور ونظام النقل العام. بل هذه واجبات وزارة الأشغال العامة والنقل، التي يجب أن يكون لديها نظام مناسب للتخفيف من المخاطر البيئية. كما من واجب وزارة الطاقة والمياه أن يكون لديها محطات طاقة تنبعث منها كميات أقل، وأن توقف جميع المولدات الخاصة. ومن واجب وزارة العدل بدورها أن تتخذ إجراءات ضد الجرائم البيئية التي تُرتكب، فالملاحقات القضائية “لا يجب تقتصر على مقتل شخص ما أو سرقة أحد البنوك “.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*