الرئيسية / أضواء على / تكريم الشاعر محمد علي شمس الدين… “ربع قرن من النرجس والتراب”

تكريم الشاعر محمد علي شمس الدين… “ربع قرن من النرجس والتراب”

  • 24 حزيران 2019 | 15:10
  • النهار

كرّم لقاء المنارة الثقافي – قناريت الشاعر محمد علي شمس الدين، في أمسية، في استراحة المنارة، في حضور فاعليات ثقافية واجتماعية وسياسية.

بداية كلمة ترحيب من رئيس اللقاء الاديب عفيف فاروق، وقدمت الامسية الشاعرة زنوبيا ظاهر، ثم القت المربية هيلانه غدار كلمة اللقاء.

ثم كانت شهادات في المكرم الشاعر شمس الدين لكاهن بلدة الحجة الاب الدكتور ميشال قمير ولرئيس الملتقى الثقافي الادبي الشيخ فضل مخدر والباحث والخبير التربوي الدكتور سلطان ناصر الدين وقصيدة للشاعر الدكتور مصطفى سبيتي، بعدها القى الدكتور كاظم نور الدين قصيدة مرسلة من الدكتور حسن جعفر نور الدين.

واختمم الحفل بقراءات شعرية للمحتفى به ووقع دواوينه الشعرية للحاضرين، ثم تسلّم درعاً تكريمية.

خلال التكريم.

“ربع قرن من النرجس والتراب”

وبعنوان ربع قرن من النرجس والتراب، قال مخدر في كلمته: 

“أمس وصلتني رسالة من أحد الأصدقاء يسألني عن لقائنا اليوم، كانت الرسالة بعضَ أسئلةٍ: عن الزمان والمكان والموضوع، وقد ختمها المرسل بقوله: ماذا ستحكي عن محمد علي شمس الدين.

أجبته قائلاً: ستسمع غداً.

قال لي: قد لا أحضر لقاءكم، فأنا لا أحب هذا الرجل.

– عجيب!! ولم لا تُحبه؟!

– إنه نرجسيٌ يعيش في ممالكه العالية.

– هل عشرته؟، وعرفته؟.

– لا يا صديقي، لقد قرأته شعراً، وعشقت شعره، وهو شاعر عظيم.

– إذن لم تعرفه كشخص، وأحببت شعره؛ وتحكمُ عليه؟! ألا يكفي الشعر يا صديقي ليكون باباً للحب؟

– بلى يا صديقي، ولعلي أكون متأثراً بمن يعرفه، لعلهم مخطؤون، ولكنهم يعرفونه أكثر مني، بل يُشيعون ذلك، وقد أوصدوا باباً بيني وبينه، بل بينه وبين كثيرين.

قطعت تلك المحادثة الكتابية التي يضيع بين أحرفها في تكنولوجيا الاتصالات نِصف المعنى والمراد وأكثر، واتصلت.

أجابني صديقي مرحباً.. مداعباً، أنا لا أستفزك، لقد حاولت أن أعبّر عما يختلج في نفسي.. وليس حقداً أو كرهاً لأحد خصوصاً لصاحبك.

فقلت له: اسمع يا صديقي:

أولاً: وقبل كل شيء؛ لك أن تحب أو لا تحب من تشاء، ولك أن يحبك أو لا يحبك من يشاء، فالأرواح جنودٌ مجندة.

ثانياً: إن صاحبي لا يستجدي الحب من أحد، ولا يسعى له، سعي أولئك الذين يوصدون أو يشرعون الأبواب على أهوائهم.

وأخيراً: أصدقك القول يا صديقي، إنني حتى اللحظة التي أرسلت بها رسالتك لم أكن قد حسمت أمري ماذا سأكتب، ولكنني في اللحظة التي اتصلت بك فيها، كنت قد اتخذت قراري، فقد فتحتَ لي باباً لأتأمل في نرجسية هذا الرجل.

إن شئت تعال لتسمع، أو اقرأه بعد النشر.

يقولون: إن نرسيس ابن آلهة النهر وحورية الماء عشق جماله، أحب صورته، وذاب غراماً بتلألؤها على وجه الغدران، حسبها حورية تبادله العشق، فظل يذوي بعشقه حتى هلك ومات، وكان من قبل، قد كسر قلب “إيكو” حورية الصدى فقتلته الآلهة بشر نفسه وحبه لانعكاس صورته وعجبه بها، وحين أحيته من جديد، جعلته روحاً لأزهار النرجس، رفيقة الغدران وجارة الأنهار وقرينة الماء، وغدا جمالاً يحيا بحزنٍ أبديٍ مميت، بل صار كل من يشبهُ “نرسيس” غروراً وعجباً، لا يحب إلا صورته، فيغدو معزولاً بضفافه، وبشرايين نرجسه، يحيا ويموت بغيها دون أن يدري.

وهكذا كانت “أسطورة النرجسية”.

قد تعجبون مني، وقد تتسألون: لمَ أتطرق لهذا الأمر؟! لكنني واحدٌ من كثيرين، من أولئك الذين سمعوا بنرجسية صاحبي، وما زلتُ أسمع.

لقد سمعت عن شعره قبل أن أقرأه، وصرت ما بين الأذن والعين أتلهف لحرفه، وحين قرأتُه سعيتُ إلى لقياه، ولما التقيته صرت ما بين نارين مما يشيعون ومما أراه، وقد صحبته لربع قرن..

ولعلي بعد هذي السنوات يحق لي أن أخمد إحدى النارين.

يا صاحبي إنك متميزٌ إلى الحدّ الذي يعجز فيه من يقرب منك أن يصف الموضع الذي تعتليه على صهوة جوادك الذي يمضي في الشعر.

هي حكاية الشعر، لا أكثر.. أليس الشعر ذلك الصوت المؤدي تميزه..

فإن كانت الحروف الشاعرة ترتقي إلى المحل الأرفع، فمرحى لنرجسية حروفك النابضة.

إن ربع قرنٍ قد لا يكون كافياً لنعيش قصيدة، ولكنه يكفي لنعيش إنساناً، نعرفه ونفهمه ونقدِّر ما فيه وما هو.

أيها الأصدقاء… أنا أدّعي أنني طِوال تلك المدة من زمن الشعر كنتُ أعيش صاحبي، فخبرته وعرفته، غير ما يعرفون أو قل غير ما يدّعون وإن عرفوا.

قد يعيش الشاعرُ جنون قصيدتهِ بل قد يعيش مجونها فتسكره، ويعيش نزوتها فيُجَنُ بأنثى، ويعيش مراهقتها، فتقتله الليالي على باب حانة، لكن إنسانيته بيده، ولروح إنسانيته إما أن تنجرف مع جنون قصيدته وإما تتنزه حتى عن كبواتها.

إن محمد علي شمس الدين نبت في التراب، وبقي ينمو ترابياً، صحيحٌ أنه لا يغادر قصيدته، ولا تغادره، لكنه يحملها معه دائماً كنبض الأرض حتى مع هدايا العيد لأبنائه وحَفدتِه.

لم ينس في يوم أنه ابن هذا البيت العاملي الذي خلق تلك العلاقات الطيبة، فكان شريك أهله وأبناء قريته وأقرانه في الفرح والترح.

تسمع في هدرة صوته وحسيس أنفاسه، حين يحاكيك بلكنته الترابية أصداء تلك الفيافي والربوع، وتغاريد الطيور على أغصان التين وكروم العنب، وترى في عينيه بريق “آسيا” كزيتونةٍ مباركة تكاد تضيء وإن لم تمسسها نار.

ما زال قلبه ينبض بسمر الليالي المقمرات على وهج سراجٍ أوقد من تنورٍ في زاوية مصطبة لسهرة الجدات، يترنمن بجمال طفولته بأغانيَّ مما تحفظه البيادر في كل القرى.

أهله.. أسرته.. أصدقاؤه.. أبناؤه والحفدَة.. في الصف الأول من منظومة حياته.

فلا تراه على أبواب الحانات وطاولات المقاهي، فظنوه يكبرعن معاشرة مريديها، ونسوا أنه ابن تربته.

يسمعك بانتباه.. يصدقك الرأي.. فلا يخون أخوّتك بمجاملة.. إن رأى فيك نبؤة يؤمن بها.. وإن أحس شيطنة يعتزلك دون مجادلة، إلا إن كانت شيطنتك تمس بتراب أو أهل أو وطن؛ فينتفض.

قد لا تجد رغائب الناس في مفردات قصيدته، فهو لا يطلق الرصاص، لكن قصيدته مقاومة.

سمعته يوماً وهو يفتخر.. فقد نال جائزة كبيرة على مجمل أعماله.. ولكن افتخاره ما كان في الجائزة قط.. إنما بما قال مقدم الحفل في تعريفه حينها.. فقد وصفه بابن الجنوب المقاوم.

إن الشعر يسكن في البقعة الأقصى من جمال الضوء، ألا يحق له أن يكون نرسيسياً، ألم تقل الأسطورة: إن كل من رأى جمال نرسيس عشقه؟..

وإذا كان الشعر جمالاً، ألا يكون روحاً للورد والماء والسماء؟ فإذا كنا لا نطال جمال الشعر فهل يحق لنا أن نقتل شاعره؟.

إن ترابية شاعرنا أكبر من أن تسقط في لعبة الموت تلك؛ فمع كل ارتقائه في الضوء كان أكثر التصاقاً بالتراب.

على مدى هذا الربع قرنٍ من اللقاء، احتضن جيلاً بل أجيالاً من الأصوات الواعدة، بل كان راسخاً في تطورهم.

لم يقف على نوعٍ دون غيره مما يكتبون، صادقهم بصدقه معهم، فقبلوه واستمعوا ووعوا وبرعوا.

لم يكبر على قصائدهم فتقبلهم إلى جانبه على منبر الشعر، ودفع بهم فأحبوه كما يحبون شعره.

أما قَرأنا وسمعنا وحضرنا والتقينا معاً على مائدة حرفه؟، ومن حوله تجتمع تلك الأقلام الصاعدة في الجمال؟، مستفيدة من معين رؤياه، فكيف يكون نرجسياً؟!.

مضى الكثيرون دون أن نحس بهم إلا كونهم شعراء، وما زال محمد علي شمس الدين حاضراً كصديق وأخ وأب لأجيال تمضي في ركاب مسيرته، ويقولون: نرجسيّ!

يا صاحبي.. يا صديقي الكبير.. وأخي الأكبر.. إن لهذه الأجيال أملاً بك وبما ترسّخه عبر هذا الزمن من ترابيتك وشعرك.

وإن تحدثت عن هذا الأمر في هذا اليوم لأنه قد آن لكل منا أن ينطق تجربته، وليسقط ما يدّعون.

كن في شعرك نرسيسيّ الشعر، وامضي كما أنت في أهلك والوطن، ولبابك أن يبقى مشرَّعاً لكل جيل ولتبقى بجمال الحق.

في تكريمك نبارك لأنفسنا أننا عشناك”. 

اضف رد