تكريس الجنائزية العظمى… إلهام فريحة لـ”النهار”: نُقفل “دار الصياد” حفاظاً على كرامتنا

فاطمة العبدالله
النهار
29092018

لعلّ #سمير_عطاالله صعد إلى الطائرة حزيناً، مسكوناً بغصّة. “للمرة الأولى، أصدّق موت سعيد فريحة”، يُخبرنا وهو في المطار يغادر إلى وُجهة جديدة. جمعه اتصال برفيق خوري وألم المحطات الآفلة. الاثنين موعد الوداع. ندري أنّ في وجدان الرجلين شعوراً عميقاً بخسارة ما كان يوماً شعاعاً ساطعاً. “دار الصياد” تبلغ حزن النهايات. يخلو المسرح من المصفّقين وأصحاب البهجة. تترحّم إلهام فريحة وهي تتحدّث لـ”النهار” على الأب سعيد وعميد الصحافة غسان تويني. “أوان الإقفال حان”.

صرح تلو الآخر يرتطم بالستائر المُسدَلة والانطفاء الحزين. “كارثة للصحافة اللبنانية والعربية إقفال (دار الصياد)”، يتألّم سمير عطاالله، هو الذي كتب فيها وعايش مؤسسها طويلاً. “هي الدار الصحافية الأولى، قبلها كان ثمة مجرّد جرائد. سعيد فريحة أهم روّاد الصحافة على الإطلاق. لم يكن عادياً، في الصحافة اليومية والأسبوعية والسخرية العبقرية. نهاية (دار الصياد) علامة سيئة للمهنة”.

“عزة وكرامة”

تُلقّن كثافة الخسائر الميّالين إلى الأسى مُرّ الرثاء. تسع مطبوعات تصدر عن “دار الصياد”، أبرزها “الأنوار” (تأسست عام 1959) و”الشبكة”، في الطريق إلى تكريس الجنائزية العظمى المتعلّقة بالتهاوي الثقافي العام. تُخبرنا إلهام فريحة بأنّ القرار اتُخذ من الأخوة الثلاثة، عصام وبسام ومنها، “بمحبة وتضامن ونظرة واحدة، هي نظرة أبناء المهنة. ثمة وقت للنهاية، وقررنا التوقّف حفاظاً على كرامة سعيد فريحة وكرامتنا. كبرنا. حتى العطاء الإنساني له حدوده، كذلك الجهد والتركيز. تسع مطبوعات ليست دعابة. لا مفرّ من سطوة الحزن، لكن الاعتبار الآن لكرامة العائلة”.الصحافة الورَقيّة: حب من طرف واحد

نتفادى السؤال المتعلّق بخصوصية العلاقة المالية بين الأسرة وربّ المؤسسة. تردُّد فريحة إلى وزارة العمل كان لإنهاء الإجراءات المتعلّقة بالتعويضات. “أعرف الأسرة فرداً فرداً، ومُلمّة بالقانون. كلّ صاحب حقّ سينال حقّه بما يُمليه عليّ ضميري. لا نتهرّب ولا نتذرّع بالإفلاس لحرمان أحد من مستحقّاته”. الوداع الاثنين. “الحقّ على وضع البلد. لبنان أوصلنا إلى القهر. الدولة لا تدعم الصحافة، والإعلانات في ذاتها غير كافية. عشنا العصر الذهبي، ولكن ماذا يبقى؟”، تتساءل، فنعيدها إلى جوهر المعضلة: الأزمة المالية إشكالية صراع بقاء الصحافة. تحيلنا أكثر على “الحكمة والعقل والتعقّل، بالاتفاق الثلاثي بين عصام وبسام وإلهام فريحة”. وأيضاً على “العزة والكرامة”. تقرّ بواقع جديد يجد جيلها نفسه مُرغماً على الاعتراف به: “الصحافة الورقية انتهت. (النهار) تكافح للبقاء، لكنّه كفاح مُتعِب. هذا جيل الأونلاين. نحن كـ (دار الصياد) أدّينا قسطنا للعُلا والوطن والمهنة والعرب والعروبة والأصدقاء. نتوقّف من أجل اسم العائلة”.

ستبدو المحاججة أمام جرح الإقفال خارج السياق. المعضلة أبعد من شبح الهاجس المادي وهو يخيّم على الظرف والمرحلة. إنّها أيضاً في نقص الطاقات المُبدعة والدم الشبابي القادر على النهوض في عزّ الأزمات، فتكون النهاية كئيبة لمن لم يُجيدوا الانخراط في “الديجيتال” والابتكار والتحديث الصحافي، وحين كان الإقفال مصيراً، نالوا التعويض وانتهوا في المنازل.

“استحالة الاستمرار بالخسارة”

في مراجعة كتاب جورج فريحة بعنوان “آل فريحة في لبنان ودنيا الاغتراب”، يُطرح السؤال: لماذا يعيش سعيد فريحة بين اللبنانيين وكل يوم بعد مماته؟ فيكون الجواب: “لأنّه حادث عصري خارج سلطة الموت”. ذات يوم من العام 2004، وفي العيد الثلاثين لـ”مؤسسة سعيد فريحة وأولاده للخدمات الاجتماعية والعلمية”، استعاد مدير تحرير “الأنوار” فؤاد دعبول، مسيرة “الكاتب الكبير والصحافي العملاق والقصاص المبدع في جعباته، وصولاً الى إنشائه داراً صحافية كانت ولا تزال مدرسة ترعى المواهب وتُطلق الطاقات”. هذه الدار في لحظة وداع تاريخية. “أفظع مسألة هي استسلام الصحافة”، يُكمل سمير عطاالله قبل قليل من إقلاع الطائرة. “سعيد فريحة فرض نفسه، فبنى مؤسسة كبيرة. لن تنجو الصحافة سوى بفرض النفس”. لماذا تتهاوى الصروح، وأي سبيل للخلاص؟ “المرض عام. تحاول (الصياد) الاستمرار منذ مدّة والأبواب موصودة. أحدٌ لا يُقفل إلا بالإكراه. هذا الخيار الأخير دائماً. ورثة الدار كعمّالها، لا يفعلون شيئاً سوى محاولة إنقاذها. في النهاية، لم يكن ممكناً الاستمرار بالخسائر”.

ترك سعيد فريحة في الحازمية امبراطورية خرّجت أجيالاً ولمعت على انعكاسات أضوائها أسماء. بناها “بالكلمة الحلوة والحلم الجميل”، كما كتب محمد عبد المولى في مقدّمة “سعيد فريحة… عصر الصحافة العملاقة”. ثلاثة تسلّموا الدفة: إلهام وعصام وبسام فريحة (تأسست الدار عام 1954)، تحمّلوا ثقل المسؤولية وهيبة المكوث في الذاكرة اللبنانية. يستبعد سمير عطاالله خلافات عائلية بين الورثة. “يحبّون بعضهم البعض، وإن كان ثمة خلافات، فهي حتماً أخوية ومهنية”. يعيدنا إلى “مزاج عام في العالم بأسره، لا سيما في الأوطان المهزوزة كلبنان. عدمية الازدهار تعني عدمية الصحافة. الانهيار الاقتصادي لا ينبي بلداً، ويستحيل ازدهار الثقافة في بلد معتل جداً، الإعلان فيه مأزوم والمبيعات في مأزق. عدا مؤثرات أخرى كغزو الانترنت وجنون مواقع التواصل”.

في زاويته بـ”الشرق الأوسط”، كتب يوماً عن سعيد فريحة: “أخصب بساتين الصحافة العربية في القرن الماضي”. فيما صوت امرأة يصدح من مكبّر الصوت محذراً المسافرين من التأخّر عن موعد الطائرة، وصف سمير عطاالله خبر نهاية “دار الصياد” بـ”موت سعيد فريحة”. “إعلان وفاته لم يصدر إلى الآن. كان في (الصياد) كلّ أسبوع وفي (الأنوار) كلّ يوم. لا يزال أجمل مَن كتب منذ 70 سنة إلى اليوم. قد تتكرّر (دار الصياد)، لكنّ الأكيد أنّ دار سعيد فريحة لن تتكرّر”.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*