الرئيسية / مقالات / تقلُّب جنبلاط استراتيجي وهل تغلّب جعجع على “الأمنيات”؟

تقلُّب جنبلاط استراتيجي وهل تغلّب جعجع على “الأمنيات”؟

غالبية الأطراف السياسيين في البلاد أجمعت رغم الخلافات والتناقضات على أن اشتراك رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع في “لقاء الحوار الوطني المالي” الذي انعقد في قصر بعبدا يوم الأربعاء الماضي كان “ضربة معلّم” فهو من جهة أكد للمسيحيين الذين خافوا من عودة الاحتراب السياسي ثم غير السياسي بين الاثنين المذكورين أنه ليس في هذا الوارد، رغم ما يعرّضه له رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الأقرب الى عون من مواقف واجراءات وتصرفات داخل الحكم وخارجه ترمي الى إضعاف نفوذه بابقاء أنصاره ومريديه خارج الادارات. ذلك أن المسيحيين لم ينسوا أن هزيمتهم العسكرية في الحرب ثم السياسية ما كانت لتحصل لولا الاحتراب المذكور، ومعها الدمار الذي لحق بالمنطقة المسيحية الواقعة بين “كفرشيما والمدفون” كما كانت تسمى. كما لم ينسوا أنها ساعدت سوريا في السيطرة على كل لبنان بعدما دخلت قواتها وبمباركة دولية المؤسسات الرسمية اللبنانية وفي مقدمها وزارة الدفاع واستولت على ملفاتها الكثيرة والمتنوعة وصار اللبنانيون “عراة” أمامها سواء الذين كانوا معها أو ضدها. ومن جهة أخرى تمسّك جعجع بعد انتهاء اللقاء المذكور بمعارضته للعهد، لكنه فصل بينها وبين مؤسسة الرئاسة الدستورية التي أكد احترامه لها. وهو من جهة ثالثة طمأن معارضي الحكومة والذين رعوا تأليفها وعلى رأسهم “حزب الله” الى أنه شارك في اللقاء بوصفه معارضاً وممثلاً فقط لحزبه لا للمعارضة التي جمعها من زمان استشهاد الرئيس رفيق الحريري في إطار سياسي أُطلق عليه اسم فريق 14 آذار. وطمأنهم الى أن عودة الحياة الى هذا الفريق لم تحصل لأنه لم يتوصل مع أركانه، وأهمهم اليوم “تيار المستقبل” والتكتل غير الرسمي لرؤساء الحكومات السابقين والحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط، الى تفاهم على تأليف جبهة واحدة أو موحدة. ومن جهة رابعة حشر الحلفاء السابقين له ومعارضيه أو بالأحرى أعدائه الدائمين وفي مقدمهم “حزب الله” بعدم إشهار سيف المعارضة الشاملة لحكومة الرئيس حسان دياب التي وُلدت على يدي الأخير، وبإعلان الاستعداد لمساعدتها إذا سلكت طريقاً جدية ببدء إصلاح تحتاج إليه البلاد على كل الصعد. وكان واضحاً في هذا المجال إذ دعاها الى تنفيذ أربعة إجراءات مهمة يعرفها اللبنانيون الى جانب العمل لإقناع صندوق النقد الدولي بالخطة المالية الحكومية. ومن جهة أخيرة سرق جعجع الأضواء بعد انتهاء اللقاء بطرحه كل الأمور المذكورة أعلاه من على منبر الصحافة في القصر الجمهوري، لا بل بالاستفاضة في هذا الطرح، الأمر الذي لم يشعر المسؤولين فيه بالارتياح. ولعلّ تغريدة النائب اللواء جميل السيد “المتهم” بتعبيد رئاسة الحكومة أمام دياب رغم نفيه ذلك، التي علّق بواسطتها على مواقف جعجع الأخيرة خيرُ معبّرٍ عن “الاعتدال القواتي” رغم تذكيره بما يُفرّق الفريق السياسي الذي يعمل معه عن “القوات” ورئيس حزبها وهو كثير. فهل تخلّى جعجع عن الـ Wishful Thinking (اعتبار التمنيات حقائق)؟ هل ارتاح رئيس “تيار المستقبل” ورؤساء الوزراء السابقون والزعيم الدرزي الأبرز الى مواقف جعجع المتميّزة الذي استخدم “لقاء الحوار الوطني المالي” لإعلانها والى نجاحه في سرقة الأضواء منهم ومن آخرين؟ من الطبيعي أن لا يشعر هؤلاء بالارتياح ربما باستثناء “الأبرز” وليد بك. والسبب أن الأخير يخوض في هذه المرحلة معركةً من نوع آخر. فهو من جهة يشعر أو بالأحرى متأكد أن هدف الرئيس عون ورئيس “التيار الوطني الحر” الأقرب إليه أي الوزير جبران باسيل هو القضاء عليه سياسياً أي على زعامته الدرزية ولا سيما بعدما عجزا بمعاونة حلفاء آخرين لهما أقوياء على الساحة اللبنانية عن ثنيهم عن ذلك أو بعدم ردعهم أو إقناعهم بأنهم يرتكبون خطأً فادحاً. زعامته هذه تشمل غالبية الدروز رغم كل ما بُذل من جهود ودعم مباشر لتقوية زعامة تقليدية درزية كانت فقدت بغياب زعيمها “الاستقلالي” الدور المهم الذي كانت تمارسه بالتفاهم مع الزعيم الدرزي الآخر الأكثر “لمعية وألمعية” الشهيد كمال جنبلاط. وهو أي الزعيم الأبرز يخوض معركة لمنع عودة الاقتتال الدرزي – المسيحي في الجبل بعدما أحيا ممثلو “التيار العوني” من نواب وسياسيين ذاكرة أبناء الجبل بجناحيهم الذكريات البشعة لحروبهما بين عامي 1983 – 1984 وهي لمّا تزل حيا، كما بعدما ذهبوا أبعد في احياء ذكريات أكثر بشاعة لحروب 1860 – 1864. طبعاً لا يرمي هذا الكلام الى رمي المسؤولية على الجنبلاطية ودروزها وحدهم. فمسيحيو الحرب الثانية مسؤولون أيضاً وبالمقدار نفسه عنها. فضلاً عن مسؤولية الجهات غير اللبنانية من عربية وإسرائيلية عن الموضوع نفسه. وذلك بلعبها أدواراً مزدوجة مع الفريقين المتعاديين ثم المتقاتلين. طبعاً حاول وليد بك في البداية أن تكون له الكلمة الأولى في “الجبل الدرزي”، ولا سيما بعد عودة المسيحيين إليه مستفيداً من دعم إقليمي معروف. لكنه مع الوقت رأى، وهو الرافض أي استدراج الى حرب جديدة، أن الشراكة فيه مع المسيحيين أكثر فائدة له ولهم وللدروز. لكن التحرش به استمر وكان آخرها اتهامه من قبل “المواطن الأول” بأنه خطّط لقتل باسيل في قبرشمون. إلّا أنه لم يقع في الفخ لأنه يعرف أنه يستطيع أن يقاتل وبقوة. لكن ميزان القوى تغيّر في لبنان والمنطقة كما أن حلفاءه في الداخل لا يقاتلون بل يتكلون عليه دائماً للقتال نيابة عنهم كما أن لا مصلحة للدروز إلّا بالتفاهم للحفاظ على الذات في “لبنان الجديد” الذي صار قديماً بل في لبنان الجديد فعلاً الذي لا بد أن يولد بعد سنوات إذا وُلد. ومن جهة ثانية أدرك الزعيم الأبرز أن عليه أن “يتعاطى” مع الفريق اللبناني الأقوى منذ سنوات طويلة والباقي الأقوى على الأرجح سنوات طويلة أخرى. فانفتح الاثنان على بعضهما واتفقا على مبادئ معيّنة، ولا يزال اتفاقهما سارياً رغم خلافاتٍ تستجدّ أحياناً وأحياناً رغم قطيعة لا تدوم طويلاً. طبعاً لا يعني ذلك أن اتفاقهما استراتيجي بل هو مصلحي وحيوي. انطلاقاً من ذلك خرج جنبلاط على اتفاقه المستعاد مع “المستقبل” وزار أخيراً الرئيس عون في قصر بعبدا معوضاً بذلك غيابه عن “لقاء الحوار الوطني المالي” لارتباطه بموعد طبّي مُبكر. وفتح بذلك الباب أمام مرحلة تشاور فيها خلاف معه وفيها اتفاق ومع حكومة دياب وراعي الاثنين “حزب الله”.

ماذا عن الرئيس سعد الحريري و”لقاء الحوار الوطني المالي”؟

اضف رد