الرئيسية / مقالات / تقرير سرّي مهم لشارل مالك لو أُخِذ به لانتصرت القضية الفلسطينية

تقرير سرّي مهم لشارل مالك لو أُخِذ به لانتصرت القضية الفلسطينية


إميل خوري
النهار
09112018

عندما كان الدكتور شارل مالك وزير لبنان المفوّض في الولايات المتحدة الأميركية عام 1949، كتب تقريراً سرياً للغاية اعتُبر الأهم في مراسلاته الديبلوماسية، وقد رفعه الى رئيس الجمهورية والى رئيس الحكومة والى وزير الخارجية، وأهم ما جاء فيه تحذير من أن “العهد اليهودي آتٍ ولا بد” إذا ظلّ العالم العربي على تأخره وتفككه، لافتاً إلى أن “فلسطين هي مرآة الوضع العربي ومحوره، وأن الفترة الحالية هي فترة انتقال موقت تستعد فيها اسرائيل التوسع لتبرهن أنها هي المختارة لأن ترث الشرق العربي وتنمّيه. فكما أن الشرق الأدنى عُرف في التاريخ كله أو جزئه بالعهد الروماني أو بالعهد البيزنطي أو بالعهد العثماني أو بعهد الانتداب، فإن الصهيونية تريده أن يُعرف في عهده العتيد بالعهد اليهودي أو الإسرائيلي، وهذا العهد سيأتي إذا ظل العالم العربي على تأخره وتفككه ووزن العرب لا شيء باتكالهم على الظروف وعلى العوامل الخارجية واللاانسانية، عوض أن يكون شرط النهضة المرجوة النور والمعرفة والحقيقة والحرية، لأن لا مصير للعالم العربي من دونها”.

واقترح الدكتور مالك في تقريره السري المهم “تجديد الجامعة العربية بشكل حلف عربي وتقوية الجيوش العربية لأنها الخلاص لهم”. ودعا الى “التفاهم الصريح والشامل، البعيد المدى مع أوروبا لأن الأمل فيها أكثر مما هو في أميركا حيث وزن العرب فيها لا شيء بالنسبة الى وزن اليهود، ولأن في كل تعارض جوهري بين المصلحة الاسرائيلية والمصلحة العربية ستؤيد أميركا المصلحة الإسرائيلية”. وحذّر من “الارتماء الأعمى في فخ اغراءات المشاريع الانشائية الأميركية من دون تمحيص تام لها نظراً الى علاقة اليهود بها”. وتوقّع “برغم الحيف الذي أوقعته وستوقعه السياسة الأميركية بالعرب في المستقبل البعيد، دوث ردّ فعل شعبي في أميركا ضد السيطرة اليهودية على شتى نواحي الحياة الأميركية لأن الخُلق الأميركي في جوهره سليم وطيب ونبيل”. كما دعا القوى المسيحية عموماً والكنيسة الكاثوليكية خصوصاً الى “أن تكون حليفة للعرب في نضالهم ضد الصهيونية”، وحذّر من “الارتماء في أحضان الروس سياسياً، بل يجب التعاون تعاوناً وثيقاً مع نهضات آسيا، وخصوصاً مع نهضة العالم الهندي. فالعالم العربي لا يستطيع الآن أن يرمي اليهود في البحر، كما لا تستطيع اسرائيل الآن أن تكتسح العالم العربي وتسيطر عليه سيطرة عسكرية تامة، فسلاح العرب الأمضى لدفع هذا الخطر هو مقاطعة اسرائيل الشاملة والتامة”.

وتوقّع الدكتور مالك في ختام تقريره “أن تتقدم الدول الغربية من اليهود والعرب بمشروع قوامه تعيين حدود اسرائيل وضمان استتباب الوضع الراهن بكفالة عدم اعتداء أيّ من الطرفين على الآخر”.

أما لبنان فيراه الدكتور مالك “جزءاً لا يتجزأ من العالم العربي، واستقلاله ضرورة تامة، وإذا هُدِّد فإن فرنسا تذود عنه أكثر من أميركا أو انكلترا. ذلك أن مبرر لبنان أمام ذاته وأمام الضمير العالمي هو أمانته للحرية الاقتصادية والعقلية والروحية والكيانية. وخير ما يمكن فعله في دعم لبنان وتقرير مصيره هو تشجيع النشاط الحر الشامل المسؤول في شؤون الاقتصاد والعقل والروح”.

والسؤال المطروح بعد كل ما حلَّ بالقضية الفلسطينية من نكبات ونكسات هو: هل أن السلطة الفلسطينية والحكومات العربية لو أخذت بملاحظات الدكتور مالك المهمة في تقريره السري لما كانت القضية الفلسطينية انتصرت ولم تصل الى ما وصلت اليه الآن من تصفية لها وطرح صفقات مشبوهة لتكون أساساً لأي حل ومنها ما يُقال عن صفقة القرن؟

لقد بات واضحاً أن أميركا لا يمكن أن تفعل شيئاً من شأنه أن يهدد وجود اسرائيل أو يضعفه، لأن أي اتفاق لا يأخذ في الاعتبار أمن اسرائيل وسلامتها لن يكون مقبولاً، وأن أي تهديد من أي جهة أتى لا يمكن أن تقف أميركا منه مكتوفة، سواء كان سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً، وهي تفكر في أنه سيأتي يوم تعيش فيه اسرائيل والعرب في جوار سلمي آمن وفي اطار سياسة توازن مضمون لأن أميركا لا تستطيع أن تبقى حامية لإسرائيل الى الأبد.

emile.khoury@annahar.com.lb

اضف رد