مالك التريكي
Feb 03, 2018

من أفطن الملاحظات التي سمعتها، منذ دخلت بريطانيا في نفق البركسيت المظلم، قول معلق جريدة التايمز ماثيو باريس إنه ليس هناك، ويا للأسف، بند دستوري أو قانوني يمنع أية أمة من أن تؤذي ذاتها وتفعل بنفسها ما يفعل العدو بعدوه.
ذلك أن ما فعلته بريطانيا في حقيقة الأمر، منذ أن صوتت أغلبية من ناخبيها (بفارق ضئيل) بالخروج من الاتحاد الأوروبي، هو أنها قد شنت عدوانا مجانيا على ذاتها. هذا رغم أنها لم تكن عضوا في نظام العملة الموحدة (اليورو)، وأنها قد حصلت منذ عهد تاتشر على إعفاء من تطبيق جملة من التشريعات الاجتماعية التقدمية، وعلى امتياز خفض نسبة مساهمتها المالية في ميزانية الاتحاد. وقد حصلت بريطانيا على هذا الامتياز، الذي عدّ آنذاك انتصارا من المرأة الحديدية على البيروقراطية الاتحادية، بعد استماتة تاتشر في مساوماتها مع بروكسل. إذ ظلت تردد من عام 1980 حتى 1984 طلبا شبه صبياني: «أريد أن تعيدوا إلي نقودي!» ظلت تطالب وتشاكس بعناد وإلحاح حتى ذهبت قولتها مثلا. «أريد أن تعيدوا إلي نقودي». أي والله. ولهذا يعمد الفرنسيون، كلما كثر الجدل، إلى التذكير بأن بريطانيا لم تكن أبدا عضوا كاملا في الاتحاد، بل كانت مجرد نصف عضو متردد متبرم شكّاء بكّاء: قدم في الداخل وأخرى في الخارج.
ولكن رغم أن عضوية بريطانيا مبتورة على هذا النحو طيلة أكثر من ثلاثة عقود، فقد تم التصويت في استفتاء 2016 بالخروج أملا في «استعادة السيادة الوطنية»، وثقة في أن عقد اتفاقيات تجارية مع أمريكا الشمالية والشرق الآسيوي سوف يغني عن الاتحاد الأوروبي أكبر الغناء. إلا أن هذين الأساسين اللذين بنيت عليهما أحلام البركسيت أوهى من بيت العنكبوت. أولا، لأن مفهوم السيادة الوطنية المطلقة الذي يتغنى به القوميون الإنكليز (إذ إن الأسكتلنديين يريدون البقاء في الاتحاد) هو من مخلفات القرن التاسع عشر. أي أنه أصبح وهما رومانسيا منافيا لروح هذا العصر الذي لا نجاح فيه إلا للتكتلات الكبرى والكيانات القارّيّة. أما الأساس الثاني فهو واه بشهادة الحكومة البريطانية ذاتها! فقد تبين أن الحكومة تكتمت على دراسات (تم تسريبها قبل أيام للصحافة) كان أجراها خبراء الوزارة المكلفة بالإشراف على مفاوضات البركسيت، لأن هذه الدراسات توصلت إلى نتيجة مخيفة: وهي أن جميع سيناريوهات الخروج من الاتحاد، بدون استثناء، سوف تعود بالضرر على الاقتصاد البريطاني. ذلك أن النمو سوف ينخفض، على مدى 15 سنة، بنسبة 8 بالمائة في أسوأ الحالات، وبنسبة 5 بالمائة في أفضلها (أي في حالة التوصل لاتفاق تعاون شامل مع الاتحاد). أما اتفاقية التبادل مع أمريكا التي يعلل بها البركسيتيون أنفسهم فإنها لن تغطي، في حالة عقدها، سوى 0.2 بالمائة (!) من الخسارة الناجمة عن هجر الاتحاد الأوروبي. ولهذا فقد أعلن وزير الدولة للعدل فيليب لي، بشجاعة لافتة، أن الضرورة تدعو الآن إلى التساؤل عما إذا كان من مصلحة بريطانيا المضي قدما في تنفيذ خطة البركسيت، وعما إذا كان من حق أي حكومة أن تقود بلادها في مسار أثبتت الأدلة أنه سوف يكون وخيم العواقب. وانتقد حكومته لتجاهلها نتائج دراسات إحدى وزاراتها، وحذر من مغبة الاحتكام إلى «الدوغما» في مجال رسم السياسات واتخاذ القرارات، داعيا إلى وجوب السعي في خدمة مصلحة البلاد، لا في خدمة الايديولوجيا أو الشعبوية.
هنا بالضبط يلتقي وزير الدولة للعدل، وقبله عضو مجلس العموم المحافظ عن منطقة ويمبلدون ستيفن هاموند (المغضوب عليه حكوميّا بسبب موقفه المشكك في «الحكمة الشعبية» التي زجّت بالبلاد في نفق البركسيت) مع ملاحظة صحافي التايمز ماثيو باريس عن ديمقراطية الإيذاء الذاتي. إذا كان في وسع الديمقراطيات أن تفعل بنفسها ما يفعل العدو بعدوه، فهل يجدر بالنخبة السياسية أن تكتفي بالامتثال والسير خلف القرار الشعبي؟ سؤال يجدد الإشكالية التي طرحها تشرتشل عن كون الديمقراطية أسوأ أشكال الحكم باستثناء جميع ما سواها، ويفتح على إشكالية أخرى: هي مدى صحة الاعتقاد الشائع بأن المصالح هي التي توجه السياسات في جميع الحالات.

٭ كاتب تونسي