تغيير النظام ليس مزحة


غسان حجار
النهار
01122018

ليس خافياً على أحد رغبة “حزب الله” في تغيير النظام اللبناني، ربما نحو الافضل، وبما يضمن له حصة مكتوبة في الدستور، اذ يعبّر عدد من قياداته والمقربين منه باستمرار عن امتعاض لان الدستور اللبناني لا يكرس للطائفة أي حق معلن. والطائفة الشيعية بذلت كثيراً من اجل البلد وحققت انتصارات ويجب استثمار هذه الانجازات في الداخل، أي في الدولة التي قرر الحزب اخيراً اقتحامها. وقد اعلنها الامين العام السيد حسن نصرالله قبل اكثر من سنة عندما دعا الى مؤتمر تأسيسي، ولاقاه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي داعياً الى عقد اجتماعي جديد، وإن كانت المنطلقات تختلف لدى كليهما، فالاول يريد تكريس حقوق الشيعة، والثاني ربما يرغب في استعادة صلاحيات الرئيس الماروني.

لكن بعيداً من هذا وذاك، فان تغيير النظام ليس امراً مستبعداً على الاطلاق، وهو يحظى غالباً بمباركة دولية، تجسدت قبل ذلك في اتفاق الطائف. وعلى رغم اتهام البعض الرئيس الشهيد رفيق الحريري باليد الطولى في فرض التغيير بواسطة الراعي السعودي، ونقل صلاحيات الرئاسة الاولى الى الرئاسة الثالثة، أو اتهام دمشق بالتواطؤ مع الرياض لإضعاف سلطة الرئاسة المسيحية، والمارونية تحديداً، بعد تجارب مريرة معها، وخصوصاً منذ ثمانينات القرن الماضي، أي مع انتخاب الرئيس بشير الجميل ثم الرئيس أمين الجميل، ومن ثم تسلّم العماد ميشال عون زمام السلطة، فان عدم موافقة واشنطن وباريس آنذاك، لم تكن تسمح للسعودي والسوري على السواء باللعب بالتوازنات اللبنانية. ويعتبر نواب لبنانيون من زمن الطائف انهم اصحاب الافكار التي ساهمت في “تطوير النظام”، وان بنود الطائف جاءت ثمرة خلوات عدة حصلت في بيروت ومدن اخرى كانت معنية بالازمة اللبنانية. وهذا الكلام صحيح في جزء منه، لكن الاكيد ان التغييرات الاساسية كانت موحى بها وقد عمل عدد من النواب على تبنّيها وطرحها.

والواقع ان نقل الصلاحيات من الرئاسة المسيحية الى رئاسة مجلس الوزراء السنية، (وهو مفهوم خاطئ لان ما أُقر نصّ على نقل الصلاحيات الى مجلس الوزراء مجتمعاً بعد تحوّله مؤسسة قائمة في ذاتها) كان عملاً مقصوداً لرفع المسؤولية عن المسيحيين وتحميلهم نتائج كل الاخطاء المرتكَبة، وجعلهم بالتالي ضحية الانتقام وردود الفعل، لان ما كان يخطَّط للمنطقة، كان أكبر من ان يتحمله المسيحيون، خصوصاً بعد تجربة اتفاق 17 أيار. فالسلام مع اسرائيل والذي يتضمن في طياته توطين الفلسطينيين في لبنان، يحتاج الى كتلة اكبر من المسيحيين عدداً وقدرة، وهذا ما دفع الى جعل السلطة في مجلس وزراء يرأسه سنّي، أي واحد من النسيج الاجتماعي الغالب في المنطقة العربية، والذي يمكن ان يتعاطف مع ملف التوطين انطلاقاً من حسابات مذهبية
لكن ما حصل بعد اتفاق الطائف، هو ان دمشق التي أدركت أهداف اللعبة، عطلت التنفيذ، وحوّلت لبنان أداتها للصمود، لان من شأن تصفية القضية الفلسطينية ان يحاصر بل ان ينهي النظام الاقلوي القائم في دمشق، والمستمد قوة خطابه من القضية ذاتها.

لقد توقّف قطار التغيير عند تلك المحطة، لكنه لم يتوقف نهائياً…

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*