الرئيسية / home slide / تغير المناخ وحدود نموذجنا الحضاري

تغير المناخ وحدود نموذجنا الحضاري

08-03-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

تعبيرية (أ ف ب).

شادية العارف

“إنه لأمر محزن أن نفكر بأن الطبيعة تتحدث و أن البشرية لا تسمعها”
فيكتور هوغو، ١٨٧٠ .

الكوارث المناخية التي تتوالى و تتكرر تُظِهر إلى أي مدى تحول العالم، ولا سيما الشمال الصناعي من حالة طوارئ مناخية إلى حالة كوارث مستمرة. الفيضانات الغزيرة دمرت مناطق بأكملها في ألمانيا وبلجيكا و فرنسا، و الحرائق الهائلة في أميركا الشمالية و أوروبا و أستراليا أصبحت رمزًا كارثياً للحريق الذي يلتهم كوكبنا. الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ أكدت مراراً أن “تغير المناخ يتسارع ويتكثف”، وحملت الدول المتقدمة و الغنية المسؤولية في عدم ايجاد الحلول اللازمة و السريعة لهذه الأزمة الملحة … في نهاية عام ٢٠١٩ ، و في هذا السياق المناخي الدراماتيكي، تسلل فيروس كورونا من سوق المواد الغذائية في مدينة ووهان في الصين حيث تباع الحيوانات البرية التي يتم اصطيادها و وضعها في أقفاص كأشبال الذئاب ، و القنافذ ، و السناجب، والسمندل …أدى هذا الفيروس إلى وفاة أعداد كبيرة من المرضى الذين عانوا من الحمى وصعوبة في التنفس وسعالاً جافاً وألآماً في الجسد …انتشر فيروس كورونا بسرعة في الصين، و في العالم.

لمواجهة الفيروس ، اتخذت الدول تدابير استثنائية بكل معنى الكلمة، فرضت على مواطنيها البقاء في منازلهم، و”العمل عن بعد”، في حين استمر بعض الموظفين في الذهاب إلى مراكز عملهم في أجواء طوارىء و منع تجول. في ظل حالة الرعب المسيطرة في العالم، ساد الخطاب الحربي في كل مكان و نَصَّبَ رؤساء الدول أنفسهم قادة أركان لدول مقاتلة : “نحن في حالة حرب” قال إيمانويل ماكرون، و في نيويورك، المدينة التي كانت مركز الوباء في الولايات المتحدة الأميركية، قال عمدتها بيل دي بلاسيو:”نحن في حالة حرب والمراوح هي ذخيرتنا”. أدت هذه الاوضاع إلى شلل معظم القطاعات الاقتصادية في العالم. لم يسبق أن تم تعليق الأعمال الصناعية التجارية للرأسمالية بهذا الشكل . اختبر السكان في هذه التجربة الكونية مدى تأثير الانشطة البشرية على نوعية الهواء ، فمدينة باريس لم تعرف منذ عشرات السنين هواء نقياً كالذي عرفته خلال الحجر الصحي، و في الصين انخفضت انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بمقدار الربع خلال شهر واحد ، وهو تقلص سريع لا مثيل له.

ظهرت في تلك الفترة مخاوف وطُرِحَتْ تساؤلات عديدة بعد أن أودى هذا الفيروس بحياة ملايين الأشخاص في العالم : ماذا لو استمرت هذه الأزمة لفترة طويلة؟ ماذا لو ظهرت فيما بعد فيروسات جديدة؟

1

ماذا عن مستقبل حياة الإنسان على أرض دَمَر النشاط البشري كافة النظم البيئية (البيئات البحرية،و المياه العذبة، والجبال)، فتحولت إلى مصدر للأمراض يهدد نظام الصحة العالمي و استقرار المجتمعات ؟ لدى القيادات السياسية في دول الشمال كان الجدل يدور فقط حول القيود التي يجب وضعها ، وما إذا كان الحجر ضروريًا أم لا ، وما إذا كانت الكمامات مفيدة ، ومتى ستكون اللقاحات متاحة. لم يناقشوا أسباب الكوارث البيئية و الصحية. لماذا واجهت الدول المتقدمة بكل إمكانياتها خطر فيروس كورونا ولم تتحرك أمام مشكلة تغيرالمناخ القاتل و المُدَمِر؟ بتعبير أدق ، لماذا لم تعالج هذه الدول مشكلة الانبعاثات الكربونية السامة، في حين أنها لم تتراجع عن أي إجراء – بما في ذلك وضع السكان تحت الإقامة الجبرية و شل الاقتصاد العالمي- لصد مرض كورونا ؟ إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن الاحتباس الحراري سوف يُفَحِّم أسس الحياة البشرية وعدداً لا يحصى من الأنواع الأخرى. لماذا هذا التعامي عن أساس المشكلة؟

تقارير الأمم المتحدة المعنية بتغير المناخ تُظهر أن الاقتصاد العالمي نما خمسة أضعاف خلال العقود الخمسة الماضية بتكلفة هائلة على البيئة و على صحة البشر وحياتهم . فكمية ثاني أوكسيد الكربون زادت بشكل كبير خلال تلك الفترة، ووصلت الآن إلى حوالي ٤٠٪ مما كانت عليه في بداية العصر الصناعي والاستهلاك الهائل للوقود الأحفوري. هل نستمر بتسميم أنفسنا، أم نضع حداً لتدمير النظم البيئية و تدمير الحياة على الارض؟!
كانت الأمم المتحدة قد نظمت “قمة الأرض” في “ريو” عام ١٩٩٢، لكي تعالج الدول قضية تغير المناخ و الحد من الاحتباس الحراري. وفي اتفاقية “باريس” عام ٢٠١٥ حددت الدول المشاركة القواعد والآليات القادرة على الحفاظ على احترار أقل من درجتين مئويتين أو ١،٥ درجة مئوية إذا أمكن. هناك حماسة جماعية في قمة باريس للانتقال إلى “الطاقة الخضراء” نحو عالم منخفض الكربون ، يقلل من استهلاك الموارد الأحفورية ويحترم البيئة.

لا شك أن فكرة “مكافحة تغير المناخ” ستنعش الاستثمار والنمو والتوظيف، و هي فكرة مغرية جداً لاقتصادات الدول، حتى عمالقة الوقود الأحفوري في العالم، ايكسون موبيل، و توتال، و رويال داتش شل, بعد إنكارهم لسنوات عديدة مقولة تغير المناخ ، و عرقلتهم لكل سياسة تهدف للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وجدوا في “الطاقة الخضراء” أفق جديد لنشاطهم . تقوم شركة توتال مع اسمها الجديد TotalEnergies ، بتحولها التدريجي إلى “الطاقات الخضراء”، كإنتاج الكهرباء المتجددة عبر حقول الطاقة الشمسية، و حقول توربينات الرياح البحرية العائمة. ثم يستدرك رئيس مجلس إدارة الشركة :”بانتظار التحول الى إنتاج الطاقات النظيفة ، لن تتوقف شركة TotalEnergies عن إنتاج النفط والغاز لعملائها. فالتدفق النقدي الناتج عن الوقود الأحفوري سيسمح للشركة الإستثمار في الطاقات المتجددة “. و كأن رئيس توتال يقول، بما أننا لوثنا بشكل هائل في الماضي ، نحن بحاجة اليوم إلى مزيد من النمو لإزالة التلوث!! و هل يعتقد الرئيس أنه يوجد نمو دون تلوث؟

في قمة “غلاسكو” التي عقدت العام الماضي انفجرت الحروب بين جماعات الضغط المنتجة للوقود الأحفوري و الآخرين . كان من المفترض خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة ٤٥٪ من الآن و لغاية عام ٢٠٣٠ ، لكن بدلاً من تخفيض الانبعاثات الكربونية، ارتأى المؤتمر زيادتها بنسبة ١٤٪ سنوياً !!! إذا تحدثنا بلغةrealpolitik قد نقول: ليس من السهل توافق جميع الدول على إستراتيجية إقتصادية

2

بيئية واحدة في حين أن مصالح الدول متباينة ومتناقضة. أما إذا نظرنا إلى المسألة كقضية حياة أو موت.
نقول أن ما جرى هو جريمة ، جريمة بيئية و إنسانية مع سبق الإصرار . لوبي الوقود الأحفوري مارس ضغوطا على المؤتمر لتغيير أهدافه. بعد إنتهاء قمة غلاسكو، قال أمين عام الامم المتحدة أنطونيو غوتيريش : “أعلم أنكم محبطون. لكن التقدم لا يسير دائماً في خط مستقيم. في بعض الأحيان هناك التفافات. في بعض الأحيان هناك خنادق. لكنني أعلم أنه يمكننا بلوغ الهدف. نحن في كفاح من أجل حياتنا، ويجب كسب هذه المعركة. لا تيأسوا أبداً. لا تتراجعوا أبداً. استمروا في الدفع إلى الأمام”.

لقد ثبت علميًا كما ذكرنا سابقاً، أن زيادة حرارة الأرض ناتجة عن الأنشطة البشرية لنموذجنا الحضاري القائم على قطاع صناعي يعمل على الوقود الأحفوري ، و مجتمع رأسمالي يطلب “المزيد و المزيد”. هذه الشهية المحمومة والمفرطة أخلت بالتوازن البيئي و تستنزف حياة الكائنات الحية و موارد الأرض و تنذر بمزيد من تدهور المناخ . فالرأسمالية كنمط إنتاج تتميز بطبيعتها الديناميكية التي تتبلور من خلال البحث الدائم عن موارد جديدة ، وعمليات إنتاج جديدة ، وتقنيات جديدة ، و سلع جديدة و كل ما هو مصدر جديد للربح . الرأسمالية حولت علاقة الانسان بالطبيعة إلى علاقة نفعية و أنانية و سلعية، و هي علاقة غير عقلانية. لذلك لا بد من التفكير بنموذج حضاري جديد يعيد التوازن في العلاقة بين الإنسان و النظم البيئية والاقتصاد … لهذا علينا أن نستمع جيداً إلى ما تقوله الطبيعة.