الرئيسية / home slide / تعليم فلسطين ومدارس السكاكيني

تعليم فلسطين ومدارس السكاكيني

 صبحي حديدي
القدس العربي
08082022

للمؤرّخ والأكاديمي الفلسطيني نور مصالحة أعمال عديدة بالغة الأهمية، تغطي مسائل شائكة وحساسة ومفتوحة المفاعيل والعواقب؛ مثل النكبة، وطرد الفلسطينيين وترحيلهم في إطار مفهوم الترانسفير، والنفي الإجباري والتهجير القسري، وسياسات التوسّع، وخرافة أرض بلا شعب، ونهج الإنكار الإسرائيلي. مفضّلة لدى هذه السطور، في المقابل، أعمال تذهب أبعد من التأريخ والتوثيق إلى خلفيات ثقافية وأنثروبولوجية، على غرار «التوراة الصهيونية: السابقة التوراتية، الاستعمار، ومحو الذاكرة»، الذي صدر سنة 2013 بالإنكليزية عن منشورات Routledge؛ وكتاب «لاهوتيات التحرير في فلسطين ــ إسرائيل: منظور متأصّل وسياقي وما بعد استعماري»، الذي حرّره مع ليزا إشروود وصدر بالإنكليزية سنة 2014، عن Lutterworth Press.
كتابه الأحدث «فلسطين عبر الألفيات: تاريخ التعليم، التعلّم، والثورات التربوية» صدر بالإنكليزية أيضاً عن منشورات I.B. Tauris، ويتناول كما يشير العنوان جوانب شتى من سيرورات محو الأمية وعصورها المتعاقبة في فلسطين؛ مبتدئاً من فجر الكتابة في الهلال الخصيب والمدارس السومرية في بلاد الرافدين والحاضنة السورية والفلسطينية للكتابة المصوّرة، قبل 5,000 سنة؛ مارّاً بما يسميه مصالحة «الثورات الفكرية» في فلسطين البيزنطية (القرون الثالث وحتى مطلع السابع)؛ وتحويل اليونانية والسريانية إلى العربية، وحركات الترجمة الفلسطينية في ظلّ الإسلام؛ فالتعليم اللاتيني خلال ممالك الصليبيين، ومكتبة الناصرة؛ وصولاً إلى «العصر الذهبي» مع مدارس الشريعة الإسلامية في القدس، خلال عهود الأيوبيين؛ ثمّ دور الأزهر القاهري، و»الأزهر الفلسطيني» متمثلاً في مدرسة عكا الأحمدية؛ وصولاً إلى العصور اللاحقة، مع العثمانيين والكتاتيب والمدارس الحديثة، التي ضمّت المسلمين والمسيحيين واليهود.

كان السكاكيني نموذجاً خاصاً، فريداً على أكثر من صعيد، اختزل صعود شريحة داخل الإنتلجنسيا العربية ــ الفلسطينية؛ بدأت بصيغة جنينية من القومية العروبية الراديكالية، ولعلها انتهت إلى صيغة وليدة من القومية الشعبية الليبرالية.

الفصل التاسع، من أصل 11 فصلاً ومقدّمة وخاتمة، يتناول قضايا التربية والتعليم من زاوية أَنْسُنية نهضوية؛ ويشدد، بالتالي، على شخصية المربي والأديب الفلسطيني الكبير خليل السكاكيني (1878-1953)؛ و»المدرسة الدستورية» التي أنشأها في مدينة القدس سنة 1909 صحبة علي جار الله وجميل الخالدي وآخرين، وتولى إدارتها بعد عودته من أمريكا قبل سنة، وفي ضوء ثورة «تركيا الفتاة» التي اعتنقت المبدأ الدستوري وأتاحت حرّية الصحافة واللامركزية للولايات العربية. ويفصّل مصالحة سمات تلك المؤسسة التعليمية الرائدة، واستئناسها بفلسفات يونانية قارّة (أرسطو وأفلاطون وسقراط) حول التعليم، تقاطعت أيضاً مع كتابات السكاكيني «الاحتذاء بحذاء الغير»، 1896؛ و»النهضة الأرثوذكسية»، 1913؛ وكذلك مئات الصفحات من مذكراته والتي وقعت في 3,500 صفحة، ويكتب مصالحة أنّ مواضيعها المركزية كانت «النهضة، اليقظة الثقافية والفكرية، الحرية، الوطنية، الهوية الثقافية، التسامح الديني، تعليم النساء، الكرامة الإنسانية، وتحريم العقوبة الجسدية».
اهتمام مصالحة بالجوانب التعليمية والتربوية في شخصية السكاكيني دفعه إلى تشديد أقلّ، متعمد غالباً ومفهوم، على الأبعاد السياسية لدى ناشط فلسطيني تحمّس بقوّة للملك فيصل الأوّل، والتحق مع بعض رفاقه بالثورة العربية الكبرى عند إعلانها عام 1916، ثم اتصل مع الأمير في العراق، وسافر إلى مصر ضمن مهامّ سياسية خاصة بالثورة. كذلك انضمّ السكاكيني إلى «جمعية الاتحاد والترقي» في القدس، وشغل أمانة سرّ اللجنة التنفيذية لـ»لمؤتمر العربي الفلسطيني»، الذي تأسس في سنة 1920 وتحوّل بعدئذ إلى «الحزب العربي الفلسطيني». وخلال إدارة «المدرسة الدستورية» خاض السكاكيني سلسلة معارك شجاعة لإصلاح المناهج الدراسية وتقوية التوجهات العلمانية في تدريس التراث والتاريخ والأدب والعلوم، فعاقبته السلطات العثمانية بإبعاده عن القدس أوّلاً، ثم سجنته في دمشق.
بعد الإفراج عنه بكفالة مالية، عاد السكاكيني إلى القدس وشرع في تأسيس دار المعلمين، التي استقال منها بعد وقت قصير احتجاجاً على تعيين هربرت صموئيل مندوباً سامياً لبريطانيا في فلسطين. لكنه لم يقلع عن التزاماته التربوية، فسافر إلى القاهرة ليمارس التعليم، ويكتب مقالاته اللاهبة والساخرة في منابر كبرى مثل «المقتطف» و»الهلال» و»السياسة». ثمّ درّس في بيروت بتكليف من الجامعة الأمريكية، وأسس في القدس «كلية النهضة»، وانتُخب عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وفي مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ويُذكر أنّ العديد من وزارات التربية العربية تحتفظ بمؤلفات السكاكيني التدريسية، خصوصاً كتابه الضخم «الجديد في القراءة العربية» الذي يقع في أربعة أجزاء.
وهكذا فإنّ كتاب مصالحة، إذْ يستكشف الكثير من الجوانب الخافية ذات الصلة بقطاع هامّ في تاريخ فلسطين هو التربية والتعليم، فإنه أيضاً يعيد إنصاف شخصية السكاكيني من زوايا كانت أثيرة لدى المربّي الكبير، ويصحّ أن تبقى ماثلة في وعي الأجيال الفلسطينية الراهنة على وجه التحديد. ذلك لأنّ السكاكيني كان، أيضاً، مثقفاً ومناضلاً ومعلّماً على تماسّ مباشر مع هواجس أهل فلسطين في ميادين شتى، فمثّل ضمن الكنيسة الأرثوذكسية تياراً عروبياً ــ إسلامياً لم يكن مألوفاً آنذاك؛ وشارك في تكوين تيّار قيادي طليعي ضمن صفوف الفئات الشعبية المسيحية، في زمن شهد استئثار الأُسَر التقليدية (مثل آل القطان وآل عطا الله) بالنفوذ والعمل السياسي؛ كما مثّل، أخيراً وليس آخراً، أحد أهمّ وأخطر التيارات الداعية إلى إعادة النظر الجذرية في المناهج التربوية، وتسليحها برؤية علمانية وعلمية معاصرة.
ومن الجائز القول إنّ السكاكيني كان نموذجاً خاصاً، فريداً على أكثر من صعيد، اختزل صعود شريحة داخل الإنتلجنسيا العربية ــ الفلسطينية؛ بدأت بصيغة جنينية من القومية العروبية الراديكالية، ولعلها انتهت إلى صيغة وليدة من القومية الشعبية الليبرالية.

صبحي حديدي