الرئيسية / home slide / تعدّدية ديموقراطية أو “هيمنة فئوية” على النمط الصهيوني؟

تعدّدية ديموقراطية أو “هيمنة فئوية” على النمط الصهيوني؟

03-10-2020 | 00:00 المصدر: “النهار”

“على طريق القدس” (تعبيرية- أ ف ب).

أنطوان مسرّە 

الإدارة الديموقراطية للتعددية في لبنان هي اليوم مستهدفة في توازناتها البنيوية سعيًا لإرساء هيمنة فئوية في ارتباط بمحور إيراني. انه مسار مناقض للبنان “العربي الهوية والانتماء” استنادًا الى مقدمة الدستور اللبناني وابعد من إرادة احتكار شيعي لحقيبة وزارية.  يهدف الدستور اللبناني، في نصه وروحيته، في ما يختص بسياق التقرير حسب المادة 65 من الدستور، الى تجنب طغيان أكثرية abus de majorité وطغيان اقلية abus de minorité. هذه المادة هي روعة في المخيلة الدستورية من منظور عالمي ومقارن. انها ثمرة عباقرة في الفكر الدستوري! تنحرف هذه المادة عن مضمونها من خلال أيديولوجية وممارسات “الثلث”، و”التعطيل” “والحجم” و”الحقيبة الوزارية الطائفية”… وخلف شعارات في “الطائفية” “والميثاقية”. يعاني كل نظام برلماني تعددي شبيه بلبنان معضلة السلطة autorité في حال ضعف الشرعية légitimité في الثقافة السياسية وحول ثوابت النظام الدستوري وفي حال الخروج عن المرجعية المطلقة “للكتاب”، أي الدستور، حسب تعبير الرئيس فؤاد شهاب.  1. الطغيان الفئوي “minority control” الاحتمال الآخر في إدارة التعددية الدينية والثقافية هو ما يُسميه الكاتب الإسرائيلي “الطغيان الفئوي” minority control. يتميز هذا المسار عن الإدارة الديمقراطية المتوازنة والدستورية للتعددية بإرساء هيمنة فئوية (Sammy Smooha, “ Control of minorities in Israel and North Ireland” , Comparative studies in society and history, Cambridge University Press, vol. 22, no 2, April 1980, pp. 256-280).يفصّل المؤلف ذلك في عدة كتابات. انها حالة النظام الإسرائيلي، او بالأحرى الصهيوني، في الهيمنة على المكون العربي في إسرائيل. وهي حالة النظام السوري في هيمنة علوية على تعددية مكونات المجتمع. وهي حالة لبنان خلال احتلال الجيش السوري، ووصفه في الاحتلال بالوكالة في ارتباط استراتيجي مع الجمهورية الإسلامية في إيران. طوّر المؤلف نظرية الهيمنة الفئوية minority control، ونترجم minority “بفئوية”، وليس بأقلية، لانها في مضمونها لا ترتبط بأكثرية او أقلية عددية. يسعى المؤلف الى مواجهة ابحاث مقارنة منذ ثمانينيات القرن الماضي حول بناء الأمم بالمواثيق او الأمم التعاقدية في بنائها التأسيسي (consociatio). يرتكز المؤلف حصرًا على حالات إسرائيل وايرلندا الشمالية (قبل ما يُسمى Friday agreement) وقبرص ونيجيريا والعرب في إسرائيل…، متجاهلاً وايضًا مناقضًا لحالة لبنان وبلدان أخرى تعددية. في إطار ميزان متعدد من ثماني عشر طائفة في لبنان، كلها عمليًا أقليات، ولكن مع أوهام مرضية أكثرية، لا تتحقق هيمنة فئة في لبنان الا على حساب السيادة الوطنية.ان الفئة اللبنانية التي تريد الهيمنة او تتوهم انها مهيمنة هي بذاتها مُهيمَن عليها خارجيًا! ان القوى الفلسطينية المسلحة في لبنان واعوانها اللبنانيين، خلال سنوات 1975-1990، وجدت نفسها خاضعة لسلطة الجيش السوري. والثنائي الشيعي واعوانه الداخليين، الذين يطغون على الحكم او يتوهمون ذلك، يُهددون سيادة الدولة وهم في مواجهة عداء عربي ودولي في ارتباط مع مكافحة الإرهاب بخاصة بعد قرار المحكمة الدولية حول لبنان.يُطبق حرفيًا الذين يدركون أنفسهم في لبنان طاغين في الحكم النمط الصهيوني! لم يتعلموا من الاحلام المحطّمة في تاريخ لبنان والاوهام في التذويب او الطغيان (أنطوان مسرّه وغيره، مجتمع المشاركة: مقاربة مقارنة، منشورات الجامعة اللبنانية، 1986، 172 ص). واليوم “دولة” لبنان الكبير”، كما جاء في اعلان سنة 1920 يُخشى تحطيمها. 2. الدولة التي تحسم ولا تساوم!يقتضي الإقرار بأن Sammy Smooha يسعى لمعالجة إشكالية جوهرية في الأنظمة البرلمانية التعددية دينيًا ولغويًا واتنيًا… او الأنظمة حيث مواقع التقرير تعددية polyarchique حسب تصنيف François Bourricaud. الدولة هي جسر تفاوض وهي ايضًا مركز حسم وتقرير. من وظائفها المسماة ملكية fonction régalienne الحسم وليس المساومة. هل بالإمكان بالتالي الانتقال من سياسة التوازن والتسوية التفاوضية الى الدولة التي تحسم؟تطرّقنا الى المعضلة من منظور آخر غير نظرية “الطغيان الفئوي” في اطروحتنا سنة 1982 في ما يتعلق بأزمة السلطة crise de l’autorité في النظام الدستوري اللبناني واستنادًا الى خبرة الرئيس فؤاد شهاب. نشرنا ست مقالات في جريدة الاوريان-لوجور (18 تموز-2 آب 1971)، ثم اعدنا صياغتها في الاطروحة حول “ازمة السلطة المزمنة وتجربة الرئيس شهاب”. اثارت هذه المقالات اهتمام جورج نقاش صاحب المحاضرة الشهيرة: “النهج الشهابي الجديد” في محاضرات الندوة سنة 1961. دعاني الى مكتبه الجديد بعد دمج صحيفتي لوجور والاوريان لوجور للتعبير عن اهتمامه بالمقاربة.  في كتابنا سنة 1994 طرحنا إشكاليات دولة الحد الأدنى والدولة الذمية والدولة الاقحوانيةEtat minimal, Etat de la dhimmitude, Etat chrysanthème. يسعى كل فريق في الدولة الاقحوانية الى نزع ورقة من الوردة بدون الحرص على تناسقها، أي ما يُسمى المحاصصة وهو توزيع زبائني للمراكز الوزارية والإدارية لتبادل منافع.يتمظهر غياب فلسفة الدولة في لبنان في اقتراحات اصلاح سياسي. تنطلق بعض الاقتراحات من رفض شامل لأي مركزية، وبالتالي من مفهوم الدولة، في حين تنحرف اقتراحات أخرى الى الجانب الأقصى وهو الدولة المصفاة alembic التي تذوّب كل ما هو تعددي وتعمل بالضرورة على التذويب! 3. سمو الدستور والمادة 49ما هي المؤسسة العليا في لبنان التي تحسم ولا تساوم، لا من منطلق التسلط والنفوذ وتوزان القوى، بل استنادًا الى المعايير الدستورية؟ بالإضافة الى المادة 65 من الدستور المعدّل سنة 1990 في اعتماد الأكثرية الموصوفة majorité qualifiée في الثلثين في ما يتعلق بـ 14 قضية أساسية، فان المادة 49 هي القاعدة الأساس لانتظام النظام الدستوري اللبناني.رئيس الجمهورية هو الذي “يسهر على احترام الدستور”! ممارسة الرئيس فؤاد شهاب هي بالذات النهج الاختباري المجسّد والمكرس والفاعل والمؤسسي، بعيدًا عن مخيلة مارونية سائدة، ولبنانية عامة، حول “الصلاحيات” في سياق علاقات نفوذ وتوازن قوى!لا يمكن فهم عبقرية الإباء المؤسسين للدستور اللبناني ولغاية اليوم بدون الرجوع الى جذور المادة 49 الجديدة في الدستور اللبناني. عشت شخصيًا هذه الجذور في إطار وساطة دبلوماسية المانية-أوروبية-فاتيكانية بعد الاتفاق الثلاثي في دمشق (24/9 الى 3/10/1986) كان مسعى قبل اعتماد وثيقة الوفاق الوطني-الطائف لتحقيق مساواة مستحيلة بين المواقع الثلاثة العليا في الدولة. انه مسعى في تربيع الدائرة لان هذه المواقع مُتمايزة في دورها ورمزيتها. المطروح، كما رصدته في اقتراحات ومشاريع وحوارات، 14 اقتراح وأكثرها يخرق المبدأ العالمي في الفصل بين السلطات ويجعل من رئيس الجمهورية رجل بعبدا او رئيس فخري! ان “السهر على احترام الدستور”، حسب المادة 49 من الدستور، هو عودة الى “الكتاب”، حسب تعبير الرئيس فؤاد شهاب حرصًا على سيادة الدولة وحائلاً تجاه طغيان فئوي minority control هو بالضرورة تابع لباب عال خارجي! ان جدلية السلطة autorité والدولة Etat في لبنان جوهرية في بحثنا العملاني منذ 1980 حول الأنظمة البرلمانية التعددية خارج سياق نظرية “الهيمنة الفئوية”. لا يستند مؤلف النظرية الاسرائيلي الى خبرات سويسرا وبلجيكا والبلاد المنخفضة والهند وجزيرة موريس وجزر فيدجي… حيث تضمن ثقافة دستورية راسخة وممارسة ثابتة مساواة ومشاركة بدون طغيان فئوي. ان حالة لبنان في ميزان متعدد من 18 طائفة يجب ان تحول دون مغامرات كارثية في الطغيان شرط التحرر من اغتراب aliénation ثقافي يعقوبي وبفضل تأريخ منهجي للبنان واصيل وبفضل التربية ودولنة ثقافتنا الدستورية. في ميزان متعدد كما في لبنان، وشعب حريص غريزيًا على الحرية (احيانًا بدون ضوابط!)، يستحيل أي طغيان فئوي الا بارتباط مع باب عال خارجي او “استقواء” حسب تعبير الرئيس شفيق الوزان. في بلدان أخرى، في الكيان الصهيوني، وفي سوريا وغيرها، الى أي مدى نظرية “الهيمنة الفئوية” لها حظوظ الاستدامة بدون شرعية دستورية ديمقراطية؟ سعت طائفة سنيّة وقوى “تقدمية” خلال 1975-1990 الى تغيير او تعديل توازنات النظام الدستوري اللبناني من خلال الاستقواء بالنظام السوري والقوى الفلسطينية المسلحة ثم أصبحت خاضعة لسلطة القوى الفلسطينية المسلحة والنظام السوري فأعلنت توبتها القومية! واليوم تُعيد مخيلة شيعية ذات التجربة في الاستقواء بفضل احتلال إيراني بالوكالة!  عندما تصبح كل الطوائف في لبنان سيادية حقًا يتوفر الأمان النفسي لدى الجميع وتصبح التطورات ممكنة بموجب نص الدستور اللبناني بالذات وروحيته. يكمن المخرج الوحيد والاساسي لتطور النظام الدستوري اللبناني، خارج شعارات وسجالات سائدة في “الطائفية” والدولة “العلمانية” والدولة “المدنية” وطروحات لامركزية وفدرالية… في نظام اشد عضلات musclé في الجسم بفضل رئاسة جمهورية “تسهر على احترام الدستور” (المادة 49)، وبفضل مزيد من المساواة égalitaire بفضل تطبيق معياري وليس زبائني لقاعدة التمييز الإيجابي او الكوتا (المادة 95). يجسد تطبيقيًا الرئيس فؤاد شهاب هذا المسار. يجسده ايضًا الرئيس بشير الجميل في خطابه الأول بعد انتخابه رئيسًا واعلانه مباشرة: “نعمل منذ اليوم على تطبيق القانون!” في اليوم التالي بالذات لم يغب أي موظف متقاعس عن ادارته! لم تكن معضلة الرئيس فؤاد شهاب، حسب الدراسات المعمقة، مع النظام الدستوري اللبناني، في نصه ومرتكزاته، بل مع “اكلة الجبنة” وعدم دولنة ثقافتنا السياسية من خلال مختلف وسائل التنشئة. هذا هو معنى اغتيال رجال دولة في لبنان من قبل أبواب عالية: كمال جنبلاط، بشير الجميل، رشيد كرامي، رينه معوض، رفيق الحريري… واغتيال جيل جديد: سمير قصير، محمد شطح، جورج حاوي، بيار الجميل، أنطوان غانم، فرنسوا الحاج، وسام عيد، جبران تويني…، في حين يتمسرح آخرون شيطانيًا بحثًا عن “حقيبة وزارية” “واحجام” “واستعادة حقوق”…! ما يضمن استمرارية ومناعة سويسرا هو مبدا سمو القانون ودولنة الثقافة السياسية. ان الدولة المكتملة الصفات الملكية، أي صاحبة السيادة، هي الضمانة الاختبارية والواقعية والمستقبلية للجميع وايضًا بفضل توبة قومية عارمة وتنمية ذاكرة جماعية مشتركة.