الرئيسية / مقالات / تظاهرات مشهد عمّت 107 مُدُن والمُرتقبة قد تبلغ الألف!

تظاهرات مشهد عمّت 107 مُدُن والمُرتقبة قد تبلغ الألف!


سركيس نعوم
النهار
06072018

المعلومات الواردة من إيران بل من مُدُن مُهمّة عدّة فيها على ألسنة زوّار لها يؤيّدون الجمهوريّة الإسلاميّة الحاكمة لها منذ 1979، ويقيمون علاقات جيّدة مع “الحزبَيْن” الناشطَيْن فيها عمليّاً وواقعيّاً، واحدٌ يُمثّل المعتدلين وآخر يُمثّلِ المحافظين الميّالين إلى التشدُّد، هذه المعلومات تُفيد أوّلاً أن أعداء النظام لا أمل في انتفاضة ناجحة لهم تحشره أو تؤذيه أو تُهدّد بقاءه وإن استمرّت أميركا برئاسة ترامب في ممارسة الضغط المتُنوّع عليها داخلاً وعلى وجودها المتوسِّع في قلب العالم العربي. فالغالبيّة الشعبيّة لا تزال إسلاميّة والشعور الوطني عندها لا يزال طاغياً. لكنّها تُفيد في الوقت نفسه أن تحرّك هذه الغالبيّة، احتجاجاً على سياسات إقتصاديّة أو على صعوبات معيشيّة أو على فساد استشرى مع السنوات، يفسح في المجال أمام هؤلاء الأعداء فينخرط المقيمون منهم في إيران فيه، ويستفيدون من نقمة الناس ويطرحون شعاراتهم مُرفقة مع شعارات أصحاب التحرُّك. فتنقل وسائل الإعلام العالميّة هذا النشاط وتُساهم “البروباغندا” في تصويره حركة شعبيّة عفويّة شاملة أو بالأحرى واسعة ضدّ النظام.

ماذا في المعلومات المُشار إليها أعلاه؟

قبل الخوض فيها لا بُدّ من الاعتراف بأنّني تلقّيت المعلومات من أحد الأصدقاء قبل نيّف وأسبوعين. لكنّني لم أنشرها في “الموقف هذا النهار” ليس شكّاً فيها، بل لأنّني كنت مُنهمكاً في الكتابة عن أوضاع الداخل اللبناني المُعقَّدة والصعبة، بعد أسابيع من الكتابة عن أميركا والمنطقة ومناطق عدّة من العالم بعد جولتي الأميركيّة السنويّة. وربّما لأنّني لم أكُن أتوقّع توقيتاً سريعاً للتحرّك الشعبي ولا سيّما في ظلّ غياب أي مُؤشِّر على عمل احتجاجي مُنظّم من داخل النظام بل من مُعتَدليه حرصاً على الوحدة لمواجهة مواقف ترامب وتحدّياته وعقوباته. وعندما تظاهر “تجّار البازار” وجَمْعٌ من “أصحاب السوابق” إذا جاز استعمال هذا التعبير في التحرّك الاحتجاجي على قرارات للنظام ومواقف، وكانت لهم يدٌ طولى في التظاهرات الشعبيّة يوم قامت ثورة الإمام الراحل الخميني الإسلاميّة وفي إنجاحها، يومها أدركتُ أن شعب إيران، ولا سيّما الطبقة المتوسّطة فيه وذوي الدخل المحدود والفقراء أو الواقفين على عتبة الفقر، بدأ “يغلي”. فقرّرت “الإفراج” عن تلك المعلومات. وهي تُفيد أوّلاً أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي والمعيشي صعبٌ جدّاً في إيران. فالعملة الوطنيّة تتدهور قيمتها على نحو غيرُ مسبوق وفي سرعة. وحصار أميركا لها يزداد، والرئيس ترامب يَستعدّ بعد الانسحاب من “الاتفاق النووي” معها لمنع حلفائه الأوروبيّين الموقَّعين مع بلاده عليه من التعامل مع إيران في كل المجالات رغم تمسّكهم بالبقاء فيه. كما يستعدّ أيضاً لمنع الدولتين الأخريين الحليفتين لبلاده من مد يد المساعدة لها لتجاوز العقوبات وآثارها الضارّة. ونجاحه في الأمرين قد تكون فُرَصُه غير قليلة لأن النظام المالي الساري المفعول في العالم أميركي، وكُلّ من تخطّاه أو تجاوزه عوقِبَ بدفع غرامات ماليّة باهظة. وتغييره ليس سهلاً إذ يحتاج إلى نظام دولي جديد. والعالم لم يصل إليه بعد، رغم اهتزاز النظام المالي السائد منذ انتهاء الحرب العالميّة الثانية بسبب اخفاقاته والصراعات بين قادته من الدول الكبرى والعُظمى. وتُفيد المعلومات أيضاً أن الاقتصاد يعاني صعوبات، وأن البنى التحتيّة الإيرانيّة تحتاج إلى تحديث وبعضها إلى إعادة بناء. وذلك مستحيل الإنجاز من دون أموال إيرانيّة مصدرها النفط والغاز والتجارة الطبيعيّة مع العالم، ومن دون استثمارات أجنبيّة يمكن تقديرها بعشرات بل بمئات المليارات من الدولارات. وتُفيد ثالثاً أن “الحرس الثوري” الإيراني يُسيطر أو يقود أو يُسيِّر قطاعات اقتصاديّة مُهمّة، إذ صار صاحب مشروعات ضخمة. وأن الفساد صار مُستشرياً على كل المستويات، وصار المواطن العادي الإيراني الضعيف الإمكانات الماديّة للعيش يرى بأُمِّ العين سيارات فاخرة أسعارها خياليّة وخصوصاً بعد التدهور المُستمر لعملته في مقابل الدولار الأميركي وسائر العملات الصعبة. وهي طبعاً لأصحاب الملايين بل المليارات أو لأبنائهم. لكن ما يُزعج هؤلاء ويحزنهم أنّها قد تكون لبعض أبناء الثورة الإسلاميّة والمكُلّفين الدفاع عنها. هذا فضلاً عن بدء تداول أخبار عن تهريب مليارات الدولارات إلى الخارج وفي صورة خاصّة إلى البرازيل. طبعاً قد لا تكون هذه الأخبار صحيحة كُلُّها، لكن لا دخان بلا نار أوّلاً. والأنظمة الشموليّة تنتج ظواهر كهذه وإن كانت شعاراتها ديموقراطيّة أو دينيّة أو شعبيّة. وتُفيد المعلومات رابعاً أن تظاهرات مشهد قبل أشهر عمّت أو شملت مئة وسبع مدن وبلدات، ولم تنجح السلطات التي استُنْفِرَت كلّها في وقفها إلّا بعد استعمال قوّة الشرطة و”الباسيج” و”الحرس”، كما بعد مبادرة الوليّ الفقيه آية الله علي خامنئي الى إعطاء التوجيهات لإزالة أسباب “انتفاضة” مشهد التي أطلقت التظاهرات الأقوى والى اطلاق وعود بإجراءات وإصلاحات. لكن إقدام ترامب على الانسحاب من “الاتفاق النووي” مع إيران جعل من الوفاء بالوعود أو من تنفيذها أمراً صعباً، ولا سيّما بعدما بدأت آثاره السلبيّة في الظهور سريعاً في المجال النقدي. إذ تدهورت قيمة العملة الوطنيّة وأصاب الخوف وربّما الذعر المواطنين الفقراء والمُتَوَسِّطي الحال والمتموَّلين وأصحاب المصالح والمؤسّسات. وتُفيد المعلومات نفسها خامساً أن استمرار تفاقم الصعوبات الداخليّة في إيران وخصوصاً الماليّة والنقديّة والاقتصاديّة فضلاً عن الفساد والامتناع عن الإصلاح أو العجز عن ذلك، تُفيد أن التظاهرات الشعبيّة قد تعود إلى البلاد. وإذا كانت التظاهرات التي انطلقت من شهر شملت 107 مدينة وبلدة، فإن المُرتقب منه قد يشمل 1000 مدينة وبلدة وربّما أكثر. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ماذا ستفعل السلطة الإيرانيّة حيال ذلك؟

اضف رد