الرئيسية / home slide / تطيير العمائم… إطاحة رمزية لسلطة الملالي

تطيير العمائم… إطاحة رمزية لسلطة الملالي

21-11-2022 | 05:20 المصدر: النهار العربي

يوسف بدر

يوسف بدر

شيوخ معممون.

تعرّض الشاعر والفيلسوف الإيراني الراحل حسين بناهي لحادثة غيرت مجرى حياته؛ إذ كان في بداية مشوار حياته العملية، رجلَ دين يقوم بإرشاد الناس في قريته، حتى جاءته يوماً امرأةٌ قروية مكافحة تسأله الفتوى في زيت السمن الذي سقطتْ فيه فضلات الفئران. ورغم علمه بنجاسة هذه الفضلات، فقد طلب من السيدة أن تطرحها من الزيت، وبعدها يصبح طاهراً. وهو ما أغضب أسرته عليه، بينما هو كان يعلم بحال المرأة الفقيرة التي صنعت هذا الزيت من خلال جمعها كرات الزبد طوال أشهر. 

ومن بعدها لم يطق بناهي زي رجال الدين، وقام بخلعه؛ لأنه لم يقدر على مساعدة الناس إلا من خلال تقديم الفتوى. وتغيرت حياته وانتقل إلى كتابة الشعر والسيناريو والإخراج والتمثيل، وقال في أحد أشعاره: “أحب الدين، ولكني أخشى القساوسة!”.

تفسر هذه الحادثة، لماذا الآن كل هذه اللعنات تنصب على رجال الدين في إيران. لأنه يقبع في السلطة منذ أكثر من أربعين عاماً ولا يزال عاجزاً عن إشباع المحرومين وتحقيق الرفاه لهم، ولا يقدم لهم إلا الدعم والتبرعات والكلمات التي توصيهم بالجهاد والصبر!

المُلا وجه النظام الأبوي!

استولى الملالي على السلطة في إيران بعد ثورة 1979، وتصدر رجال الدين كافة نواحي الحياة؛ فهم يقفون على المنابر ويقاتلون على الجبهة ويتحدثون عن الطب وعن الفضاء وعن حقوق الإنسان وعن المرأة  في التلفاز. ونجد في أركان مؤسسات الدولة هناك ممثل الولي الفقيه، ذراع النظام الأبوي، لمراقبة أن كل الأمور تسري تحت رقابة المرشد الأعلى الذي يقف على رأس السلطة. ولذلك على المواطن الإيراني طوال الوقت أن يتملق وأن يبدي الولاء لهذه السلطة الدينية ولممثليها، إذا ما أراد الحصول على وظيفة أو سعى لإنهاء أعماله ومصالحه.

ومثل هذه الصورة تفسر لنا لماذا استهدف المحتجون شخصَ المرشد الأعلى ونظام ولاية الفقيه مباشرة وطالبوا في شعاراتهم بإسقاطه. لأنه منذ أكثر من أربعين عاماً وكهنة المعبد في نظام الملالي ينسجون المؤلفات والدراسات حول ارتباط الدولة العادلة ودولة آخر الزمان وغاية رسالة الأنبياء بنظام ولاية الفقيه. وهو ما أدى في النهاية إلى ظهور مؤمنين بولاية الفقيه حتى النخاع. وآخرون أدركوا أن لا تغيير ولا مناص لهم إلا بالخلاص من هذا النظام.

لكن لماذا الآن؟

كان رهان التغيير مبنياً على وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي؛ ما يفتح الباب بعده لطرح التغيير في هيكل النظام، على غرار ما حدث في الأنظمة الأبوية كالصين، بأن يتشكل بعد حكم الفرد، مجلس أعلى مهمته مراقبة السياسة العامة. لكن بعدما خاب الظن بظهور مرشحين أقوياء لخلافة المرشد، أمثال نجله، مجتبى خامنئي أو الرئيس الحالي، إبراهيم رئيسي؛ فقد تسرب اليأس إلى نفوس الأجيال المنتظرة لهذا التغيير. وهو ما دفعهم إلى المطالبة بالإطاحة بالنظام برمته.

وما يتناوله إعلام نظام ولاية الفقيه من تحليلات حول أسباب ودوافع الاحتجاجات الحالية، يدل تماماً على أن هذا النظام واع بقدر كاف للمشكلة وأسبابها، وإن كان يتذرع بالمؤامرة الخارجية. لأن الأمر يتعلق بالسلطة التي تم تقديسها وتجذيرها بشكل قد يتعارض سقوطها مع شبكة مصالح الكثيرين الذين يتكسبون منها. 

فقد أشار هذا الإعلام إلى “الجيل زد”، وهو الجيل الثاني بعد جيل الألفية، أي إنهم وُلدوا منتصف التسعينات وترعرعوا على أدوات العولمة من وسائل تواصل اجتماعي وانترنت مفتوح على العالم بأكمله، وأصبح التواصل مع العالم الخارجي جزءاً من حياتهم، وينظرون إلى النظام الأبوي الذي يحكمهم على أنه سجن كبير يجب الخروج منه. 

فضلاً عن أن هذا الجيل تربى على القيم المادية والاستهلاكية وأصبحت الرفاهية من ضرورياته الأساسية. وبالتالي لن يتحمل الفشل الاقتصادي للدولة أو الحديث المتكرر للنظام عن اقتصاد المقاومة ومواجهة العقوبات الغربية والأدبيات الدينية التي تحدثه عن الجهاد ضد المستكبرين. لأن هذا الجيل أكثر نضجاً بعدما شعر بالتناقض بين الداخل والخارج. واستخدام سلاح الدين كأفيون لتخدير الناس لن يفلح معه؛ لأنه لا يؤمن أصلاً برجال الدين ولا بسلطتهم.

ويدل قيام النظام بالتضييق على الانترنت وحجب مواقع التواصل وطرح مشروع الانترنت المحلي وإنتاج وسائل تواصل محلية؛ على وعيه بالجيل زد، وسعيه إلى ترويضه وإغلاق نوافذه وكسر طموحاته مثلما فعل مع جيل الألفية الذي وُلد مباشرة بعد ثورة 1979 والذي خرج في تظاهرات ضخمة دعماً للإصلاحيين عام 2009، فيما عُرف بالحركة الخضراء. لكنه أصبح الآن جيلاً محبطاً ويائساً من التغيير. فضلاً عن أن أعباء الحياة وقسوتها قد أثقلته بالهموم.

لكن الجيل زد لا يزال يافعاً ونشطاً وعدم احترامه للمقدسات لا يمنعه من اللجوء للفوضى والتخريب. ولذلك، حتى الآن يعجز النظام عن إسكاته أو ترويضه؛ فلجأ إلى تشديد القبضة الحديدية والحكم بالإعدام على المتورطين في أعمال الشغب.

وفي البرلمان، أعاد النائب إلياس نادران الحديث عن طرح النظام البرلماني بدلاً من الرئاسي. وهو طرح قد ظهر منذ عام 2011، خلال زيارة المرشد خامنئي إلى كرمانشاه، وابدائه عدم معارضته للتحول إلى النظام البرلماني إذا ما اقتضت الضرورة. لكن هذا الأمر لن يُحدث أي تغيير جوهري طالما هناك سلطة أبوية تتحكم في اختيار المرشحين من النواب، تتمثل في مجلس صيانة الدستور. وكل ما سيؤدي إليه مثل هذا النظام هو زيادة التنافس والصراع بين الأحزاب التي تدين بالولاء لنظام ولاية الفقيه. لكن الهدف من هذا الطرح هو إعادة صرف أنظار الناس عن النظام وتوجيهها نحو الحكومة وتحميلها وحدها الأخطاء.

كذلك أيضاً، فإن توقف شرطة الآداب عن مصاحبة هيئة الأمر بالمعروف (الإرشاد) وخروج الفتيات بلا حجاب في شوارع المدن الإيرانية الكبرى، فيما عُرف بظاهرة نزع الحجاب (ما زال هناك تحفظ وتخوف داخل المدن الصغيرة والقرى)، وصمت رجال الدين وتوقف صراخهم على مسألة الحجاب؛ دليل واضح على أن النظام يشعر ويعترف بالجيل الجديد. لكن لن يعترف بذلك صراحة؛ لأن ذلك يخدش هالته المقدسة. ويتريث حتى يجد الحل للحفاظ على هيبته.

تطيير العمامة!

حملتْ ظاهرة مطاردة الشباب لرجال الدين وتطيير العمامة من فوق رؤوسهم رمزية مباشرة نحو نظام ولاية الفقيه. أي أن الجيل زد، يريد أن يقول إن حل المشكلة يتلخص في الخلاص من سلطة عمامة رجل الدين. وقد استنكر البعض داخل إيران هذه الظاهرة واعتبرها تنبع من سوء سلوك تربية الجيل الجديد، وأن هذا الجيل قد تربى على القيم الغربية ولا يتمتع بأي أخلاق سوى وحشية العالم المادي. 

هذا التفسير فيه جانب من الصحة؛ لكن قاعدة التاريخ تقول إن لكل فعل رد فعل مساوياً له في المقدار ومضاداً له في الاتجاه. وهذا السلوك لم يكن يحدث لولا السجن الكبير الذي يفرضه رجال الدين على الأجيال الجديدة التي لديها تطلعات ونظرة تجاه الحياة والعالم تختلف عن جيل الآباء. فضلاً عن التمييز الاجتماعي؛ فالمكانة التي يحصل عليها المواطن لمجرد إرتدائه العمامة، تدل على وجود تمييز بين المواطنين باسم السلطة الدينية وأنصارها، وهو ما يُسقط مفهوم المواطنة والمساواة. وعلى هذه الصورة، فإن مسألة تطيير العمامة هي رمزية لمسألة الدولة المدنية وضرورة الانتقال إليها بدلاً من دولة رجال الدين.

إذا تتبعنا ثنائية الفقيه والسلطان عبر التاريخ، خاصة أن هذه الثنائية قد تكررت كثيراً في تاريخ إيران القديم والحديث؛ نجد أن الفقيه كان ينقسم إلى فريقين، واحد يعمل ضد الشعب دعماً لمصالحه مع السلطان/السلطة، وآخر يقف بجانب الشعب دعماً لمصالحه المتعارضة مع السلطان/السلطة. 

ويمكن أن نقول أن مؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله الخميني، هو نفسه أول من قام بتطيير العمائم عن رؤوس بعض رجال الدين، الذين وصفهم خلال خطاباته ضد الشاه، بأنهم ليسوا فقهاء مسلمين لأنهم يقفون بجانب السلطة الغاشمة ضد الشعب ويمثلون حاشية الشاه، وطالب الشباب الثوار بنزع العمائم عنهم!

لكن الأمر قد تبدّل الآن، وصار الفقيه والسلطان في شخص رجل واحد، هو المرشد الأعلى، ويمثل رجال الدين (الملالي/آخوندها) صورة متكررة لهذا المرشد في كافة نواحي المجتمع.

إطاحة رمزية

لهذا الواقع، فإن ظاهرة تطيير العمامة هي محاولة رمزية للإطاحة بأذرع أخطبوط المرشد الأعلى، رجال الدين الذين زرعوا في عقول الناس أن الإسلام هو الملالي، وأن السعادة في الآخرة لن تتحقق إلا في ظل هذا النوع من الإسلام والوصاية الدينية. لكن هذا يتعارض مع المنطق الإنساني وحرية الاختيار والمساواة بين البشر. 

وأيضاً هذه الظاهرة، هي محاولة للقضاء على التمييز الاجتماعي والحقوقي الذي أفرزته سلطة ولاية الفقيه بإنتاجها طبقة دينية تجاوزت حدودها جدران الحوزة الدينية، وبالتالي تجاوزت حدود وظيفتها الدعوية والتبشيرية. وظهرت هذه الطبقة طوال التاريخ بأسماء مختلفة، وكانت ولا تزال تبحث لنفسها عن مكانة خاصة، تحت مسميات منها “الشامان والكهنة والسحرة والحاخامات والبابوات المشايخ والملالي”. كلٌ حسب دينه وزمانه.

إن التمييز الاجتماعي لرجال الدين في إيران، يتم بشكل مؤسسي وممنهج وليس الأمر نتاج فكرة الولاء للسلطة الدينية فحسب. بل يأتي أيضاً في إطار التضاد الدياليكتيكي مع فترة حكم الشاه. أي أن نظام ولاية الفقيه أراد تحصين رجال الدين بعد التنكيل الذي تعرض بعضهم له في عهد الشاه. وتمثل المحاكم الخاصة وكذلك السجون والشرطة والمحامين الخاصين برجال الدين دليلاً على هذا التمييز الاجتماعي الذي يتم بشكل مؤسسي. وإذا تجاوزنا مسألة التضاد مع الماضي؛ فإن النظام أيضاً قد أفرز مثل هذه المحاكم من أجل تنقية طبقته بأن ينزع عن المعاقَبين زيهم الديني، مثلما يتم تجريد الرتب العسكرية من الضباط المُعاقَبين. أي أن الزي الديني يمثل هوية نظام ولاية الفقيه في إيران، مثلما وجدنا في الحكومات الأبوية الشمولية تلتزم بالزي الموحد، كما في روسيا والصين وكوريا الشمالية.

ورغم أن النقاش العلمي يؤكد أن الزي الرسمي لرجال الدين لا يرتبط بالأنبياء، فهم لم يتخذوا زياً واحداً ثابتاً. وإنما الأمر يرتبط عبر التاريخ بتشكل الطبقة الدينية وتعارف الجماعة الواحدة في ما بينها. وهذا أمر واضح في كل الأديان، فالجماعة الدينية الواحدة داخل الإسلام تلتزم بزي مختلف يميزها عن الجماعة الأخرى. إذاً، الأمر هنا يتعلق بالتشكل الطبقي للجماعة ومصالحها، لا يتعلق بالإسلام كما يدعي رجال الدين.

لقد تحدث المفكر الإيراني ومنظر الثورة الأول علي شريعتي، منذ مرحلة مبكرة عن مآلات خطورة الطبقة الدينية، حينما أشار إلى المثلث المشؤوم الحاكم على التاريخ: “الثروة والسلطة والخداع”، وكان يقصد بالضلع الأخير رجال الدين الذين يزوّرون التعاليم ويبررون الأوضاع. لكن المأساة أن أضلاع هذا المثلث الآن قد تجسدت كلها في شخص رجل واحد، وهو الفقيه الذي يقف عند رأس السلطة في إيران. ولذلك نسمع اليوم عن إمبراطوريات الثروة لدى رجال الدين وعن السلطة التي يتمتعون بها، وعن أنصارهم في الحوزات الدينية وعلى المنابر الذين يبررون الواقع الاقتصادي المرير، ويعلقون المشكلة على شماعة العقوبات الغربية وأعداء الجمهورية الإسلامية.

المحصلة

بالنظر إلى الحكومات الشمولية التي حكمت في دول مثل روسيا أو الصين أو كوريا، فإن حتمية التغيير شيء لا مفر منه. ولكن السلطة الحاكمة ستظل تكافح للتصدي لهذا التغيير. ولذلك، فإن وقوع التغيير في إيران ليس بالأمر المستحيل. وإن الحديث المتكرر عن الحاجة لنظام علماني بين أوساط المثقفين هناك ليس بالأمر الغريب، بعد كل هذه الأزمات التي عاناها المجتمع الإيراني من حكم رجال الدين. 

إن غضّ النظام الإيراني الطرفَ عن الفتيات اللواتي خلعن حجابهن جهاراً؛ يعني أن النظام يخشى من الصدام مع الأجيال الجديدة، بما يعجل من سقوطه. لذلك هو يتريث حتى يفكر كيف سيعالج هذه الظاهرة التي خدشت قداسته.

لا يجب فهم مسألة خلع الفتيات لحجابهن أو قيام المراهقين بتطيير العمامات عن رؤوس رجال الدين، أن الأمر يتلخص في تأثير الثقافة الغربية التي وفدت عبر الفضاء الإلكتروني؛ لأن الأمر يتعلق بالمجتمع البشري وتحولاته. والجيل الجديد ما هو إلا رد فعل على سلوك الجيل القديم. ولذلك كانت ظاهرة تطيير العمامة بمثابة إطاحة رمزية للسلطة الدينية المتهمة بالفساد والفشل في إدارة البلاد.