تطوير التعاون بين السلطات الثلاث في سبيل المصلحة العامّة

جاء القانون ليُشكّل مجموعة من القواعد العامة المنظّمة لسلوك الأفراد الاجتماعي. الغاية الأساسية للقانون تكمن في تنظيم مصالح المواطنين وحفظ الاستقرار الجَماعي.

لذا لا يمكن تخيّل مجتمع من دون قانون يحفظ حياة الناس وممتلكاتهم، ويوفر البيئة المناسبة للقيام بالأنشطة الإجتماعية والإقتصادية التي تُعتبر من مقوّمات نهضة المجتمعات وارتقائها.

فالقانون ليس غاية في حدّ ذاته، إنما وسيلة تتماشى مع ظروف الجماعة وحاجاتها. من هنا، كان لزاما على القانون أن يتطوّر حتى يستمرّ منظّماً لنمط الحياة السائد، وإلاّ أصبح عقبة أمام سير الحياة وتطوّرها.

انطلاقاً مما تقدّم، تبرز أهمية السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) في تنظيم عمل المؤسسات. ان دور السلطة التشريعية يكمن في صوغ القوانين ومراجعتها وتطويرها من فترة الى أخرى لمواكبة المتغيرات المتلاحقة وتبدّل حاجات الأفراد والمجتمع. لا يقتصر دور السلطة التشريعية على ذلك بل يتعدّاه الى الرقابة على أعمال الحكومة ومحاسبتها، ونجاح تلك الأدوار يتطلّب مواظبة أعضاء السلطة التشريعية على القيام بواجباتهم وممارسة صلاحياتهم بشكل مستمر ومسؤول.

أما السلطة القضائية، فهي سلطة الرقابة الأسمى على أعمال السلطة التشريعية ودستورية القوانين الصادرة عنها، وهي سلطة الفصل في المنازعات المعروضة أمامها، وهي السلطة المسؤولة عن تحقيق العدالة. من هنا، ضرورة تعزيز السلطة القضائية ومنحها الإستقلالية اللازمة من خلال ضمانات واضحة كي تبقى في منأى من تدخل السلطة السياسية وتأثيرها.

إنطلاقا من الدور الذي أنيط بالسلطة القضائية والمتميّز عن وظائف السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإنها قادرة على إلزام الجميع، أفراداً ومؤسسات وسلطات، الخضوع لحكم القانون، مما يرسّخ مبادئ العدالة، المساواة، المحاسبة والشفافية، وتطبيقها من دون استثناء، ولا مراعاة لمَن هم في مواقع المسؤولية.

ان سيادة القانون تضمن لأجهزة الدولة ممارسة سلطاتها وفق الدستور والقانون. لذا، لا بد من تنسيق بين أجهزة الدولة في حمل مسؤولية ما تتخذه من قرارات وسياسات وإجراءات، ومؤسسة البرلمان تمارس دورها في التشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، فيما القضاء المستقل النزيه والأجهزة الأمنية منوط بهما تطبيق القانون. ولا سبيل لإطمئنان المواطن إلا بتطبيق القانون على الجميع من دون محاباة أو تساهل، وعلى المسؤول قبل المواطن.

إنّ هذا الإنتظام في الأداء كفيل بتمهيد الطريق للخروج من الواقع المرير الذي نعانيه والذي أدى إلى تصدّع في بنيان الدولة، والذي يمكن ترميمه، في حال توافر النيّة لذلك، من خلال انتظام عمل المؤسسات والقيام بدورها الفاعل من دون أي انتقاص، ووفقاً للغاية التي وجدت لأجلها. ذلك أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب النصوص القانونية بل في تفعيلها وحسن تطبيقها، وكل ذلك يتطلب عملاً مشتركاً بين مؤسسات الدولة للقيام بمهماتها ولترسيخ مفهوم دولة القانون بعيداً من المصلحة السياسية الذاتية التي تشكل عائقاً حقيقياً أمام تطوّر المجتمع والنهوض به من أزماته التي انعكست ترهّلاً في مفاصل الدولة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*