الرئيسية / home slide / تطبيع الخليج مع إسرائيل: إيران هي السبب

تطبيع الخليج مع إسرائيل: إيران هي السبب

حسن فحص – الجمعة 18 أيلول 2020
https://www.asasmedia.com/news/386932

يفترض أن يشكل القرار الأميركي خفض الوجود العسكري في العراق وتقليل عديد الجنود بنحو 2000 جندي وتجميع نحو 3200 آخرين في بعض القواعد في المناطق الغربية وإقليم كردستان، وتواتر الكلام عن نية واشنطن الانسحاب من مناطق شرق سوريا حتى نهاية العام الحالي 2020، مصدر ارتياح لقيادة النظام الإيراني الذي أعلن معركة مفتوحة منذ الثالث من كانون الثاني 2020، وبعد عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني، من أجل إخراج القوات الأميركية من غرب آسيا، خصوصا من العراق وسوريا.

على الرغم من هذا التطوّر، يبدو أنّ فرحة النظام الايراني لم تكتمل بما يمكن أن يعتبره إنجازاً في إطار المواجهة المفتوحة بينه وبين الإدارة الأميركية. فالتطوّرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً منطقة الخليج وما تعنيه من محيط حيوي واستراتيجي للمصالح الإيرانية، أربكت المشهد أمام القيادة الإيرانية، بالتزامن مع انتقال العلاقات الضمنية بين بعض العواصم الخليجية وبين تل أبيب، إلى علاقات علنية مبنية على اتفاقية سلام وتطبيع على مختلف المستويات الاقتصادية والعلمية العسكرية والأمنية والاجتماعية، بعد أن كانت على مدى سنوات علاقات غير رسمية لم تغب عن رصد وعين طهران، وكانت تقبل بها ولا تعارضها بشكل جذري طالما بقيت تحت هذا السقف.

الاستراتيجية الإيرانية التي سعى الرئيس الإيراني حسن روحاني منذ وصوله إلى رئاسة السلطة التنفيذية الترويج لها تقوم على تكريس تفاهم حول بناء مشروع “المنطقة القوية”

هذا التحوّل والتطوّر في العلاقات بين هذه العواصم وتل أبيب، وما أكده وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بأنّ تحالفاً أو ائتلافاً أمنياً وعسكرياً سيجري الاتفاق عليه بين تل ابيب وأبو ظبي لمواجهة الخطر الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، ولاحقاً انضمام مملكة البحرين إلى هذا الاتفاق، نقل الهواجس الإيرانية إلى مرحلة متقدّمة تقارب تحسّس الخطر الذي بدأ يقترب من سواحلها الغربية والمحيط الحيوي لمصالحها الاستراتيجية والأمنية، والمشروع أو الرؤية التي تسعى لتكريسها في هذا المحيط ومنطقة الشرق الأوسط.

الاستراتيجية الإيرانية التي سعى الرئيس الإيراني حسن روحاني منذ وصوله إلى رئاسة السلطة التنفيذية الترويج لها تقوم على تكريس تفاهم حول بناء مشروع “المنطقة القوية” بحيث تتولى دول المنطقة الاتفاق على إدارة الشؤون الإقليمية بمختلف مستوياتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية من دون الحاجة إلى أيّ تدخل أو دور لطرف من خارج المنطقة وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية. وهذا المشروع اتخذ لدى القيادة الإيرانية تعبيرات مختلفة على مدى العقود الماضية، إلا أنّ النقطة المحورية فيه تهدف لإقناع هذه الدول بالتخلّي عن الوجود الأجنبي سواء كان عبر القوات الأميركية المباشرة او عبر قوات تابعة لحلف الناتو.

ثمّ جاء إعلان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لعقيدته الاستراتيجية، التي حدّدت هدفين أساسيين في الاهتمامات الأميركية على الساحة الدولية، الأول تخفيض الوجود العسكري الأميركي في منطقة غرب آسيا وتحديداً في الشرق الأوسط والخليج مع الالتزام التام بالدفاع عن أمن مصادر الطاقة وحرية وصولها، والثاني انتقال الجهد الأميركي إلى منطقة بحر الصين والتركيز على مراقبة الصعود الصيني. وبدأت محاولة محاصرته بما يشكّله من تحدٍّ حقيقي مستقبلي للدور الأميركي على الأقل اقتصادياً على المستوى العالمي. هذا الإعلان عزّز الجهود الإيرانية التي رأت في هذه العقيدة تطابقاً نسبياً مع رؤيتها وإمكانية أن تلعب الدور البديل القادر على ملء الفراغ العسكري والأمني بعد تقليص واشنطن لوجودها. وظنّت إيران أنّ تحقيق هذا الهدف لا بدّ أن يمرّ عبر إقامة تفاهمات وتهدئة مع دول المنطقة، خصوصاً الدول المعنية أكثر من غيرها في هذا التطوّر، أي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.  إلا أنّ طهران لم تستطع تعبئة الفراغ القائم بين الرؤية التي تريدها والواقع الناتج عن تمدّدها في الاقليم، والمخاوف التي أفرزتها جرّاء تهديدها لمصالح هذه الدول في المناطق التي وقعت تحت السيطرة الإيرانية في العراق واليمن وسوريا ولبنان. ولم تستطع طهران التقليل من هذه المخاوف على الرغم من كلّ الجهود التي بذلها وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف من خلال الطروحات التي قدّمها عام 2019 حول بناء نظام أمني إقليمي، وتعاون أمني لإدارة مضيق هرمز ومعابر الطاقة الدولية في المنطقة.

يمكن القول إنّ طهران قد لا تعارض أيّ اتفاق سلام بين إسرائيل مع أيّ دولة عربية خارج مجالها الحيوي، مع الاحتفاظ بحقها في رفض هذا المسار وإدانته، كما في التجربتين المصرية والأردنية

وأمام تنامي النفوذ الإيراني في العمق والمدى العربي الحيوي، تنامت في المقابل حالة الخوف من آثار وأهداف هذا النفوذ أو ما اصطلح على تسميته “إيرانوفوبيا”، ما ساهم في تعميق الهوة بين هذه الدول وبين النظام الإيراني، الذي وجد نفسه في مواجهة تصعيد أميركي غير مسبوق مع إدارة الرئيس دونالد  ترامب، الذي حدّد  استراتيجيته في التعامل مع هذا النظام، والتي استهدفت بشكل مباشر النفوذ الإيراني الإقليمي، وتفكيك أذرعه في المنطقة بالإضافة إلى البرنامجين الصاروخي والنووي. في المقابل، وجدت دول الخليج أنّ خيارها للدفاع عن مصالحها، يكمن في بناء تحالفات وتفاهمات واتفاقيات تضمن لها الحدّ الأدنى الذي يسمح لها مواجهة المخاطر المتأتية من الطموحات الإيرانية. وفي موازاة التزام الرئيس ترامب باستراتيجية تخفيض الوجود العسكري خارج الولايات المتحدة وتحديداً في منطقة الشرق الاوسط، لم تجد هذه الدول سوى خيار الذهاب نحو بناء تحالفات واتفاقيات مع الخصم اللدود للنظام الإيراني المتمثّل بالنظام الإسرائيلي الذي يلتقي مع الهواجس العربية من الدور الإيراني، لكن على نصاب مختلف يقوم على قطع الطريق أمام طهران لتكون شريكاً له في النفوذ الاقليمي.

لذلك يمكن القول إنّ طهران قد لا تعارض أيّ اتفاق سلام بين إسرائيل مع أيّ دولة عربية خارج مجالها الحيوي، مع الاحتفاظ بحقها في رفض هذا المسار وإدانته، كما في التجربتين المصرية والأردنية. إلا أنّ دخول الدول الخليجية في اتفاقيات أمنية، هدفها المعلن إسرائيلياً وأميركياً هو محاصرة الدور والنفوذ الإيراني، ما يشكّل مصدر القلق والتوتر الإيراني من الخطوة الخليجية، لأنه يضعها في دائرة المواجهة المباشرة مع تل أبيب على حدودها، وما يكشف عمقها الداخلي ويحوّله إلى ساحة مواجهة مباشرة بعد أن كانت تمسك بهذه اللعبة من خلال تهديد الداخل الإسرائيلي عبر وجودها من خلال حلفائها على هذه الحدود في كلّ من لبنان وسوريا وغزة. فهل ستسمح طهران بانقلاب الصورة وتغيير قواعد الاشتباك بينها وبين تل أبيب؟ تغيير قد يدفع باتجاه الكثير من التطوّرات التي قد تعيد ترتيب الأولويّات المفتوحة على جميع الاحتمالات لدى طهران.