الرئيسية / home slide / تضارب اجندات أهل الحكم يعطل الحكومة وينهكها

تضارب اجندات أهل الحكم يعطل الحكومة وينهكها

من الجلسة التشريعية الاخيرة، الى جلسة مجلس الوزراء، وما قبلهما على مدى الايام المئة من عمر الحكومة، أداء متخبط وغير منسق يعكس انعدام التناغم والانسجام بين قوى التحالف الواحد المنضوي تحت عباءة “حزب الله”، بفعل التضارب القائم والمتفاقم فصولاً بين اجندات كل فريق من افرقاء السلطة، بمن فيهم الداخلين الجدد الى جنة الحكم، وان بحسابات أضيق.

ساهمت جلستا الحكومة والمجلس على مدى اليومين الماضيين في بلورة هذا التضارب، في شكل أوضح، بعدما سقطت كل المبررات او التلطي وراء يناعة الحكومة بفعل عمرها القصير، سيما وان رئيسها خرج قبل ايام ليفاخر بإنجازاتها التي بلغت نسبة ٩٧ في المئة مما وعدت به في أيامها المئة الاولى.

واذا كان عامل الوقت الضاغط خفف على الحكومة كماً من الانتقادات من المترصّدين لها، خصوصاً مع تفشي وباء كورونا الذي استأثر بالأولوية على ما عداه من استحقاقات وتحديات داهمة، الا ان الوقت بدأ يثقل على كاهل السلطة ويعريها، ويكشف عوراتها بفعل افتقادها الى أدنى مستويات التعاطي بمسؤؤلية مع الملفات المطروحة، ولا سيما في الجوانب المالية والاقتصادية والمعيشية.

فالتسرع الحكومي في اعلان التخلف عن دفع الديون السيادية من خارج اي مفاوضات منظمة مع الدائنين، كما جهد وزير المال غازي وزني بالمطالبة مرارا وتكرارا، فضلا عن تكليف المستشار المالي “لازارد” الذي تم التعاقد معه من اجل ادارة هذه المفاوضات، وضع الخطة الاقتصادية والمالية بدلا من ذلك، متجاوزا المؤسسات والهيئات المحلية المعنية بالتشاور والتنسيق، وبناء خطته كلها على الدعم المالي الدولي للخروج من الازمة، وضع لبنان اليوم في مرحلة حرجة ومحرجة في آن ولا سيما مع انطلاق المفاوضات الرسمية مع صندوق النقد الدولي.

فالوقت يمر، وعداده يسجل يوميا خسائر باهظة جداً ان لم نقل كارثية على الاقتصاد وعلى المالية العامة وعلى العملة الوطنية وعلى المودعين خصوصا واللبنانيين في شكل عام، والشباب في مقدمهم، فيما الحكومة غارقة في سجالات عقيمة تسميها مداولات ومشاورات، حول خطة الكهرباء من باب معمل سلعاتا، والتعيينات بمختلف مواقعها، والمالية أهمها، وسط موقع تفاوضي ضعيف امام الصندوق نتيجة التضارب الفاضح في تقدير الخسائر، ما استدعى تدخلا نيابيا من لجنة المال والموازنة وإنشاء لجنة تقصي حقائق مهمتها التدقيق في الارقام المقدمة من ادارتين رسميتين، تتوليان ادارة البلد المالية والنقدية: وزارة المال والمصرف المركزي!

والمفارقة الفاضحة انه في الوقت الذي التزم به طرفا المفاوضات، اي الجانب اللبناني وجانب الصندوق إحاطة المفاوضات بالسرية التامة، وهذا ما يلتزمه الجانب الدولي، وفيما كان الاتفاق على ان يقتصر التصريح عن اجواء تلك المفاوضات ببيانات مقتضبة عن الجانبين، وهو ما يحصل منذ انطلاقها قبل أسابيع، تتسرب معلومات ومحاضر عن اجواء المناقشات للإعلام، من قبل الفريق اللبناني، في خرق فاضح للاتفاق، بدأ يزعج ممثلي الصندوق، وهم من التقنيين. ويلاحظ من تلك التسريبات انها لا تهدف الى تبيان تقدم المفاوضات، بقدر ما تصب في اطار استكمال الحملات الممنهجة على القطاع المصرفي وعلى المصرف المركزي، من جهة، فيما تهدف تسريبات اخرى الى الضغط على الحكومة في ملف الحدود، كشرط أساسي للصندوق لتقديم الدعم.

في المقابل، لا يخرج صوت رسمي ليعلن صحة تلك التسريبات او عدمها، باستثناء ما أعلنه وزير المال امس في جلسة مجلس الوزراء، وشكل في جانب منه ردا غير مباشر على التسريبات، اذ قدم شرحا لتفاصيل جلسات التفاوض، كاشفا ان المفاوضات تجري بهدوء وتعاون، وهناك تفاهم مع ممثلي الصندوق. وهكذا، يستمر كل فريق بتنفيذ أجنداته على حساب المصلحة العامة، بقطع النظر عن التضارب بين تلك الاجندات، ومنها ما يتصل بحسابات داخلية ورئاسية، ومنها الآخر ما يتعلق بالسياسة الخارجية في سياق الضغوط الدولية على الحكومة للخروج من عباءة حزب الله، او محاولة بعض الطامحين الى الرئاسة تقديم أوراق اعتمادهم لدى دول القرار.

في جميع الأحوال، تترك هذه الاجندات ندوباً بارزة في الجسم الحكومي العاجز عن القفز فوق تلك الاجندات، وهي التي ساهمت في تكوينه وولادته. فلا التعيينات نجحت في سلوك طريقها، ليس بفعل الاختلاف على الاسماء فحسب، وانما ايضا على الآلية، بعد اقرار مجلس النواب آلية جديدة، ولا التشكيلات القضائية خرجت من عنق التعطيل، فيما عاد ملف بناء معمل سلعاتا ليفرض نفسه من خارج جدول الاعمال من خلال تمسك رئيس الجمهورية باعادة طرحه، مع ما حمله من تهديد واضح للتضامن الوزاري وتكشف للانقسامات الحادة بين افرقاء الصف الواحد. واذا كان المخرج الذي ارتآه رئيسا الجمهورية والحكومة لهذا البند، قد حفظ ماء الوجه للوزير السابق جبران باسيل المتمسك ببناء معمل سلعاتا، ولم يكسر كلمته، بحيث قضى المخرج باعادة دياب تاكيد التزام حكومته خطة الكهرباء كما تم اقرارها في الحكومة السابقة، وفي البيان الوزاري، فإن هذا المخرج لا يعدو كونه تأجيلا للمشكلة ليس اكثر!

sabine.oueiss@annahar.com.lb