تصلب الثنائية الشيعية ومحنة الثنائية المسيحية

 


وسام سعادة
May 28, 2018

اختتمت الحرب اللبنانية بـ«حربين أهليتين فرعيتين» شيعية – شيعية بين ميليشيات «حركة أمل» و«حزب الله»، ومسيحية – مسيحية بين الحكومة العسكرية المؤقتة برئاسة قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون وميليشيا «القوات اللبنانية». نتائج «الفرعية الأولى» جاءت حاسمة عسكرياً، اذ بسطت الجماعة الخمينية المسلحة سيطرتها على معظم المناطق ذات الكثافة الشيعية خارج النطاق المحتل من اسرائيل وأعوانها في الشريط الحدودي، وتقلّصت رقعة سيطرة حركة أمل في بقع قليلة متناثرة، مع نفوذ أكبر لها في بيروت، في حين نجح الحزب في تحويل الضاحية الجنوبية إلى عاصمة لـ«الثورة الإسلامية في لبنان»، هذا التعبير الذي لم يغادر راياته الا في مطلع التسعينيات حين اكتفى بـ«المقاومة الإسلامية» من اركان المثلث الشعاراتي السابق (المقاومة الإسلامية، الثورة الإسلامية، الجمهورية الإسلامية). من يومها ينقسم المعنيون بالشأن، بين من يعتبر ان الحزب يبيت «أهدافه النهائية» (خيمنة البلد – من الخمينية)، وبين من يعتبره قد تخلى عن الثورة والجمهورية الإسلاميتين، مكتفيا بالمقاومة الإسلامية (في البدء كان هذا جوهر حركة اعتراض الامين العام الاسبق للحزب صبحي الطفيلي على من تولى القيادة بعده، قبل ان تنقله نتيجة التصادم مع الكتلة الحزبية الاساسية، الجنوبية، شيئا فشيئا إلى ما بات يعادل «ظهير 14 آذار»).
بيد ان الحزب ناهض بشكل صاخب اتفاق الطائف في نهايات الحرب، مع انه صار مطواعا أكثر لظروف الوصاية السورية، التي فرضت نفسها، بالدرجة الاولى وصية على تطبيق اتفاق الطائف (وهذا بحد ذاته خرق قاتل له) بعدها. مع بقائه حزبا مرتبطا عضويا بآلة حرس الثورة الإيرانية، فقد تقبل بشكل منهجي واضح، وخصوصا بعد تولي السيد حسن نصر الله الامانة العامة في اثر اغتيال اسرائيل للسيد عباس الموسوي، المعادلة السورية الوصائية، التي أعفته في المقابل من لزوم تسليم سلاحه إلى الدولة ودمج عديده في الجيش، على غرار الميليشيات الأخرى. أما حركة أمل، الخاسرة بالحرب أمام حزب الله، والأقرب في الأساس للقيادة السورية منه، فان سلبيتها في البدء تجاه اتفاق الطائف، الذي اعتبر رئيسها نبيه بري ان التوقيع عليه خيانة في تصريح محفوظ له، سرعان ما بدلها الادراك ان ايقاف الحرب والدخول في دولة المحاصصة تحت الوصاية، بعد الطائف، يعود لها، ولبري قبل سواه، بالنفع. وهكذا، لما كان رئيس المجلس النيابي أيام اتفاق الطائف حسين الحسيني يمني النفس بأن دوره في الاتفاق – الذي ما زال يحتفظ هو وحده إلى اليوم بمحاضره يمانع نشرها – من شأنه ان يعود له برئاسة برلمانية مديدة بعد الطائف، فقد قام الحسيني باستحداث قصر جمهوري ثان، هو مقر اقامة رئاسة المجلس النيابي، في عين التينة، ليظهر من ثم ان «المعادلة السورية» تقتضي انتخاب نبيه بري لهذا المنصب، بدءا من العام 1992، هو الذي سبقت له الاطاحة بالحسيني نفسه على رأس حركة أمل. وما زال بري رئيس المجلس منذ 26 عاما، وقد أعيد انتخابه قبل أيام، وبعض من انتخبه من النواب لم يكن ولد أو كان ما زال في طفولته المبكرة عندما استقر بري في «عين التينة»، المقر الذي «اخترعه» حسين الحسيني.
اقتضت المعادلة السورية التعايش المديد بين «أمل» و«حزب الله». يبقى للحزب سلاحه دونا عن باقي الميليشيات، ويدخل البرلمان، ولا يتمثل في حكومة طالما الجيش السوري يسيطر على لبنان.
يتولى نبيه بري رئاسة البرلمان دورة في اثر دورة، وتهيمن حركته على «حصة الشيعة» في مؤسسات وقطاعات وأجهزة الدولة. بقيت نسبة كبيرة من شهداء الحزب والحركة شهداء ضد بعضهم البعض، ولم تكن سهلة عملية تنقية او بتر او قمع الذاكرة، وظل الاشتباك بين الحركة والحزب حاضرا في كليات الجامعة اللبنانية طيلة التسعينيات، تماما مثل العدائية القواتية العونية في الفروع الثانية لهذه الجامعة. لم يكن ثمة تحالف انتخابي بين الحزب والحركة الا في انتخابات 2000، وليس قبل ذلك، اي في انتخابات ما بعد التحرير، وادراكا، ايضا، ان تعبئة الفراغ جنوبا، بعد انسحاب اسرائيل وتحلل الميليشيا اللحدية العميلة لها، يقتضي نوعا من «حكومة شيعية داخلية» تراعي التوازن بين المكونين السياسيين الاساسيين للطائفة، المكون «المنخرط» في الدولة، والمكون «المواكب» لها.
تبدو اليوم هذه الثنائية بين الحزب والحركة كما لو انها «مناصفة برلمانية دائمة» في حصة الشيعة ضمن مجلس النواب، واكثر من اي وقت مضى، بعد نجاحها، رغم اعتماد النسبية في قانون الانتخاب الجديد، من صد اي محاولة تسلل إلى داخل البرلمان، من خارج هذه الثنائية، بالنسبة إلى مقاعد الشيعة (باستثناء واحد، مصطفى الحسيني، ليس فعلا باستثناء، اي من خارج دائرة الاعتراض الشيعية على امل وحزب الله، واستثناء من نوع اخر، ينظر له حتى من ضمن الثنائية على انه وديعة مباشرة لبشار الاسد، اللواء جميل السيد).
توقعات ورهانات كثيرة على تصدع هذه الثنائية ظهرت عبر العقود الاخيرة. كلها تكشف عن خطأ في الحساب او عن رغبة نكرت نفسها بالواقع. الثنائية بين امل وحزب الله صلبة، رغم انها تستند إلى ماضي تناحري دموي، ماضي قسم بنتيجة هذا التناحر الوظائف بين امل والحزب. لا يمكن ان تواجه هكذا ثنائية ازمة الا عندما يواجه التقسيم الوظيفي هذا مشكلات جدية.
أما الثنائية المسيحية فلها توزيع آخر. حرب الالغاء عمقت مشكلة عون مع الطائف، ودفعت القوات للتماهي مع هذا الاتفاق، ما قلص شعبيتها بعد الحرب. عبدت هذه الحرب بالنتيجة الطريق لاقتحام الجيش السوري مناطق سيطرة عون، وايقاف الحرب اللبنانية على هذا المشهد «الختامي» المستفز للمسيحيين، بالشكل الذي منح لعون شعبية مزمنة رغم انهزامه امام التدخل السوري، وبعده الادائي الكبير عما وعد به من مقاومة اسطورية وفدائية. سهل ذلك من عملية قمع القوات اللبنانية وسجن قائدها سمير جعجع. صارت ثنائية الاخوة الاعداء ثنائية منفي ومسجون، ثنائية مزدوجة: من جهة، كما لو كان النفي والسجن يعيدان الاعتبار لوحدة المصير، بالنسبة للمسيحيين «السياديين»، بمصطلحات تلك الفترة، ومن جهة ثانية، كما لو كان اختلاف زمن قمع الحالتين، مناسبة لشماتتين متقابلتين، فالقواتيون شمتوا لمصير عون والعونيين يوم اقتحم الجيش السوري قصر بعبدا، وعاد العونيون وشمتوا بهذا الطرف الذي قبل باتفاق الطائف ودخل مهمشا في حكومة ما بعد الطائف ثم رفع من سقف اعتراضه فحظر وسجن وقمع ولفقت له الاباطيل.
رغم ان الثنائية القواتية العونية تحولت ميدانيا إلى تقاربية بنتيجة الضغط السيادي المتراكم ضد احتلال الجيش السوري للبنان، الا ان مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان كانت مرحلة تباعدية بامتياز بين الفريقين، ولو انه تباعد ظل في منأى عن التصادم الميداني. ومع تصدع توليفة 14 اذار، نشأت ارضية جديدة للتقارب، عنوانها الابرز تأييدهما لمشروع القانون الارثوذكسي (فحواه كل طائفة تنتخب نوابها بمفردها) وصولا إلى صياغة تفاهم بصك بين الفريقين، بسحب رئيس القوات ترشيحه الرئاسي لصالح العماد عون. بيد ان العلاقة بين الفريقين عادت وتراجعت بشكل متواصل في العام الاخير بحيث لم يتحالفا في اي دائرة انتخابية مؤخرا، بل تحول التهديف على القوات إلى محور خطابي سجالي لدى رئيس التيار العوني جبران باسيل، بعد الانتخابات، وبروحية «عزل» لها حكوميا.
مع هذا، تظل الثنائية الشيعية امل حزب الله قابضة على مخيلة الثنائية الحزبية المسيحية. حتى ولو ان نتيجة هذا القبض حاليا، ان ثنائية الشيعة تكاملية اكثر فاكثر، والثنائية المسيحية تعارضية بصخب. المفارقة ان علاقة العونيين مع احد طرفي الثنائية الشيعية (حزب الله) جيدة، وليس كذلك مع حركة امل. قواتيا، لم يحدث خرق في اتجاه ايجابي مع الحزب، رغم بعض توقعات من هذا القبيل، ولم تتجاوز الايجابية مع امل حدا معنويا متواضعا. في وضع كهذا، يطرح موضوع عزل القوات في الوقت الحالي، بتشكيك ان يكون اي من الاطراف ماضيا به للآخر. لكنه يطرح من موقع التقدير بأن محنة الثنائي المسيحي لا تقارن بلحمة الثنائي الشيعي، وان نقد اثر الثنائي الشيعي على الانقسامات السياسية المسيحية هي المدخل الاول لتخفيف محنة الثنائي المسيحي.

٭ كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*