تشيرنوبل العالم العربي

إبراهيم نصر الله
القدس العربي
11072019

بعض الأعمال التلفزيونية السينمائية الناجحة تعتبر مصدراً لتأمل أحوال العالم وأحوالنا في العالم العربي، وقد كنت كتبت أيضاً عن الدروس الجيدة المستفادة من الأعمال السيئة! ولأعترف أنني طوال مشاهدتي لمسلسل (تشيرنوبل) كنت أشاهد انفجار (تشيرنوبل العالم العربي)، الذي ليس بالضرورة هنا مفاعلاً نووياً؛ كنت أشاهد كيف يُلقى بمصير أمة بأكملها إلى الدمار، إلى محرقة مرعبة باتت في حاجة إلى عشرات السنوات للتخلص من آثارها، كما تحتاج المدن والأراضي الملوثة بالإشعاع إلى عشرات، بل مئات السنوات، للتخلص من آثار الإشعاعات القاتلة.
ثمة من تفتنه سلطته السياسية في عالمنا العربي، فيدمِّر، وهو بهذا مُفاعل، وثمة من يحتمي خلف القوة الأمنية، أو قوة الطائفة، فيدمِّر، وثمة من يمتطي الدبابة ويدمِّر، وثمة من يطحن الحرية داخل سجونه، ويدمِّر، أو بتصحيره للعلم، فيدمّر مدارسنا وجامعاتنا، وثمة من يدمِّر كل مستقبل تتطلع إليه الشعوب بعسكره وسلطان ماله، وثمة من يعلو بالفساد والكذب وتعدد الأقنعة، ويدمِّر.
في واقعنا العربي اليوم، لا يكاد بلد يخلو من مفاعل تشيرنوبل خاص به، أو أكثر من مفاعل، وبضحايا لا حصر لهم، من تراب فوقه وتحته، ومن هواء وبراءة وخضرة وماء وكرامة. وهكذا، كلما أشار شعب إلى انفجار مفاعل ما قطعوا أصابعه، وكلما هتف قطعوا ألسنته، وكلما حلم هدموا السقف فوق رؤوس أبنائه.
تدعو للتأمل إذن تلك الحلقات الخمس للمسلسل القصير (تشيرنوبل)، فقد استطاع أن يحظى بتقييم بلغ 9.6 من عشرة، وهو رقم لم يحققه أي فيلم أو مسلسل تلفزيوني، بما في ذلك فيلم العرّاب والمسلسل الأشهر لعبة العروش والفيلم الذي يحتل المرتبة الأولى عالمياً من ناحية التصويت (الخلاص من شاوشانك). ومع اقتراب عدد الذين أدلوا بأصواتهم في هذا الاستفتاء من 300 ألف إنسان في قارات الدنيا، يكون هذا إنجازاً غير عادي بكل المقاييس.
لكن لأعترف أنني لم أمنحه أكثر من 8 من عشرة، أو أقل من هذا بشيء بسيط، كعمل فني، فالحبكة الكبرى، الواقعية، نجدها في أعمال سينمائية وتلفزيونية كثيرة، ويمكن اختصارها في مفردة واحدة، هي: التقصير؛ ونعني: أن يجد البشر أنفسهم وحيدين بلا مساعدة، بسبب التواطؤ ضدهم، في مواقف كبرى تهدد حياتهم، ولا يستطيعون مواجهتها بمفردهم، في ظل غياب القوة الحامية أو الحارسة، وهي السلطة بتنوعاتها؛ ولذا ثمة سخط ما، دفين، على الحكومات وأشباهها، في هذا التصويت، وخوف دفين، من أن يجد الناس أنفسهم ضحايا من هذا النوع.
بعض هذه الكوارث حضرت لأسباب كثيرة، من بينها الحرص على عدم إفساد موسم السياحة كما في فيلم سبيلبيرغ الشهير (الفك) الذي أنتج في السبعينيات من القرن الماضي، وبعضها حضر بسبب الغرور كما في فيلم (تايتنك) في التسعينيات، وبعضها بسبب هزال القوة الأمنية التي لم تستطع الوصول إلى العاصمة الاقتصادية للهند: مومبي، إلا بعد تسع ساعات، لمواجهة حفنة مجرمين هاجموا عدداً من الأهداف المدنيّة، قبل أن يستقروا في (فندق مومبي)، الذي حمل الفيلم اسمه ويستند إلى قصة حقيقية. هؤلاء القتلة الذين راحوا يصولون ويجولون، بدم بارد، في مدينة كبرى عدد سكانها 21 مليوناً. ولا تجد مدينة بهذا الحجم إلا ستة من رجال الشرطة، غير المدربين، لمواجهة أولئك القتلة!
في هذه الأعمال كلها، ستجد نفسك طوال الوقت ناقماً على المقصِّرين، لأنهم الشر الأكبر هنا. لكنك في مسلسل (تشيرنوبل) ستنقم أكثر، لأن عدد الضحايا أكبر، وقوة الخطر النووي وانتشار الإشعاعات التي انطلقت في ربيع 1986 لا يمكن أن تقارن بحدة أسنان أسماك القرش، أو غرور أصحاب تايتنك، أو فاعلية البنادق الآلية التي يستخدمها الإرهابيون لقتل ضحاياهم في فندق مومبي!
والسؤال هنا: لماذا ينال هذا المسلسل كل هذا التقدير؟
بعض الإجابة يأتي في سياق حجم الخطر الذي أشرنا إليه، المتمثل في القوة النووية التي أفلتت، والتي تمّ التكتم على حجم خطرها في البداية، سواء بالغرور الذي تبديه القيادة التقليدية/العجوز، أو الفساد الذي ينخر الدولة، حين نعرف أن هناك عدداً من المفاعلات النووية تعاني من المشكلة ذاتها: ففي الوقت الذي يضغط فيه أحد زرّ وقف المفاعل النووي، لتلافي ارتفاع سخونته، ينفجر المفاعل، بدل أن يُطفأ! أي أن حزام الأمان هو السيف الذي يقطع عنق مستخدمه. دون أن ننسى هنا سبباً آخر، هو أن الطموح الوظيفي لمدير المفاعل الذي لا يريد أن يظهر عاجزاً في الخطة المرسومة لإنتاج طاقة كهربائية، بالحجم المطلوب، تجعله يصر على عمل المفاعل، حتى وهو يراه ينهار.
في ظني، إن مخاوف الناس هي التي صوتت لهذا المسلسل، بكل هذا التقدير، فالمشاهد يرى الضحايا يرقصون فرحاً بذلك الضوء المنبعث من حريق المفاعل، دون أن يدركوا أنهم أول الضحايا، لأسوأ سلاح. كما أن رجال الإطفاء الذين يندفعون لإخماد الحريق، بملابسهم الرسمية العادية، ضحايا أيضاً، فلا أحد حريص على منحهم ملابس واقية للإشعاعات التي وصلت اليابان والصين والهند وأمريكا وكندا، فيما بعد، إضافة إلى الاتحاد السوفييتي، صاحب المفاعل، وللقارة الأوروبية بالطبع. ولذلك ترى مصائر هؤلاء البشر التراجيدية، وأنت ناقم طوال الوقت. والأمر نفسه يتعلق بالجنود الذين جاؤوا لإخلاء المدينة، والجنود الذين جاؤوا لقتل الحيوانات الضالة فيها، لأنها باتت ملوثة بالإشعاع، ولا ينجو من ذلك العاملون في المستشفيات، من أطباء وممرضين، في مصحات لا يوجد فيها حتى حبوب اليود، التي يمكن أن تمنح الأجساد بعض المقاومة إثر الانفجار الذي تضاعفت نسبة السرطان بعده 74 مرة!
وبعد:
كل ما سبق من حديث عن المسلسل لم يكن الغرض منه تحليل عمل ناجح وشجاع بكل المقاييس، كل ما سبق يدعو إلى إعادة نسْخ مقدمة هذا المقال لتوضع في نهايته مرة ثانية عن عالم عربي لا يحظى اليوم بغير المفاعلات القاتلة المتصدعة، والضحايا؛ الضحايا الذين يتقافزون فرحاً بما لديهم من مظاهر كاذبة خارج السياق الحضاري الحقيقي، أو الضحايا الذين يتقلَّبون وسط النار! أو أولئك الشجعان الذين نراهم اليوم في شوارع السودان والجزائر الذين، بلا كلل، يرفضون الموت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*