الرئيسية / home slide / تسييس المسيحية… لمحة معاصرة

تسييس المسيحية… لمحة معاصرة

منذ 13 ساعة

 محمد جميح
القدس العربي
02122021

في مقال الأسبوع الماضي ورد ذكر بعض الأحداث ومناقشة بعض الأفكار حول تسييس المسيحية قديماً، وقد يجادل البعض بأن ذلك بات شيئاً من التاريخ، وأن القيم العلمانية اليوم باتت راسخة بشكل يستحيل معه تعرضها لأية هزة سياسية أو اجتماعية. هذا صحيح إلى حد ما، لكن العقود الأخيرة شهدت تزايد الحديث عن «الجذور الحضارية لأوروبا في أبعادها اليهودية والمسيحية» ودارت نقاشات مستفيضة حول «أمريكا مملكة الرب» الأمر الذي يشير إلى حضور خطاب ديني كثيف في كثير من مؤسسات الدولة العلمانية الحديثة.
وفي السنوات الأخيرة أشارت توجهات الرأي العام إلى بروز التيارات القومية واليمينية المتطرفة، وانكفاء طروحات العولمة، مع وصول قادة شعبويين ذوي ميول راديكالية إلى قمم السلطة في بعض البلدان الغربية، ما ينفي وجود مسلمات يقينية في المنظومات السياسية والاجتماعية، ويُبْطل الحديث عن نهاية التاريخ واستواء النماذج العلمانية الديمقراطية على عرش العالم، ويؤكد أن ذلك ليس أكثر من فكرة عابرة في خضم بحر من الأفكار والتوجهات والمنحنيات البيانية الصاعدة والهابطة في عالم أصبحت فيه أصابع جميع الشرائح تنقر على لوحة مفاتيح التلفون الذكي وتكتب ما تشاء، ليفجر التطور التكنولوجي مكنونات شعبوية وصلت إلى مديات عليا لم يكن أحد يتصور وصولها إليها.
وضمن مسار «المسيحية السياسية» ومع الوصول إلى النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، يأتي للرئاسة الأمريكية «الرئيس المتدين والواعظ المسيحي» جيمي كارتر، ثم تطالعنا فكرة «الأكثرية الأخلاقية» للقس جيري فالويل الذي وضع البذرة الأولى لتأثير اليمين المسيحي المتديّن في السياسة الأمريكية، لنصل إلى رونالد ريغان الذي فاز على كارتر مدعوماً بأصوات المسيحيين المحافظين، أو «الأكثرية الأخلاقية» التي صوتت لـ«رئيس جمهوري مسيحي» ضد «رئيس ديمقراطي مسيحي».
وبعد سنوات يقفز جورج بوش الابن الذي خاض «حربه الصليبية» ضد العراق بالتعاون مع «المسيحي الطيب» توني بلير، لا لنشر محبة المسيح، بل لنهب ثروة العراق، وغير بعيد من بلاد الرافدين تلوح مشاهد إلياذية ومدن أشباح في سوريا تنطلق نحوها صواريخ روسية منقوش عليها اسم «السيد المسيح» بعد أن أفتت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بأن الحرب في سوريا هي «حرب مقدسة» لتختلط المصالح السياسية بالشعارات الدينية المرفوعة على ركام مدن منكوبة في العراق وسوريا وغيرهما.
كل ذلك، ولم نأت بعد إلى عصر دونالد ترامب الذي قالت عنه مستشارته الروحية القسيسة باولا وايت إنك: «حين تقول لا للرئيس الأمريكي فكأنما تقول لا لله» أما نائب الرئيس مايك بنس فقد وصف ترامب بأنه «رجل الله» الذي يفاخر بمسيحيته التي «ستمحو الإرهاب الإسلامي من على وجه الأرض» ناهيك عن تصريحات ـ من هنا وهناك على جانبي الأطلسي – لعدد كبير من القادة والمسؤولين المتدثرين بعلمانية مفصلة على مقاسات «الحرب على الإسلام» والتي تستعمل مصطلحاً أخف هو «الحرب على الإرهاب» أو الحرب على «الظلاميين أو الأصوليين» الذين يريدون هدم «القيم المسيحية» حسب رأي رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان.
وتتوالى التصريحات من هنا وهناك لكتاب ومفكرين ورجال دين وسياسة يتحدثون عن «الغزو الإسلامي لأوروبا المسيحية» وغير تلك من العبارات التي كانت تقال على نطاق ضيق ضمن أطر سياسية ودينية منعزلة، قبل أن يقولها زعماء كبار، وصلوا إلى السلطة مع موجات المد الشعبوي اليميني الذي يضرب أوروبا وأمريكا، مهجوساً بفكرة «الآخر العدو» ذلك الآخر الذي أريد له أن يكون «إرهابياً» و«ضحية للإرهاب» في وقت واحد.

في السنوات الأخيرة أشارت توجهات الرأي العام إلى بروز التيارات القومية واليمينية المتطرفة، وانكفاء طروحات العولمة، مع وصول قادة شعبويين ذوي ميول راديكالية إلى قمم السلطة في بعض البلدان الغربية

العالم – إذن – يتجه يميناً، والدين ينضفر بالجين والمذهب بالعرق، وأوروبا تصبح أكثر وأكثر «نادياً مسيحياً» وتطالعنا عناوين من مثل: «نهضة أوروبا المسيحية» لهيو روبر، و«أوروبا المسيحية؟…قواعد الالتزام» لجوزف ويلر، وأمريكا تصبح «أرضاً مقدسة» ونقرأ عن «أمريكا المسيحية ومملكة الرب» لريتشارد هيوز، و«مملكة الرب في أمريكا» لريتشارد نيبوهر، وكم كبير من الكتب والأبحاث وأعمدة الصحف تدور حول هذه الظاهرة تأييداً أو انتقاداً.
والغريب أننا لسنا ـ هنا ـ إزاء «قيم روحية مسيحية» قدر ما نحن نواجه تسييساً مقيتاً للمسيحية، خدمة لأغراض أشخاص ومكونات سياسية واجتماعية ودينية ودول مهيمنة، حيث إن كثيراً من هؤلاء «الساسة المسيحيين» ليسوا متدينين في الأصل، وإن كانوا يخلطون الميول اليمينية بالتدين الشكلي، الذي يدر عليهم المزيد من الأصوات والأرصدة والانتشار في أوساط الشرائح المتدينة، في الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
وفي هذا السياق يرى كثير من المسيحيين الإنجيليين الذين دعموا ترامب أنه «ليس مسيحياً صالحاً» ولكن الله ينفذ خطته من خلاله، و«أمام عظمة عطايا الله، تصبح خطايا ترامب غير مهمة، لأنه سيكون مجرد أداة في مشروع الله». وعلى الرغم من أن ترامب لا يعد «مسيحياَ صالحاً» حسب مفاهيم الإنجيليين الأمريكيين للمسيحي الصالح، إلا أنه يعتبر «رئيسأً صالحاً» لمجموعة من الانتهازيين السياسيين والدينيين ورجال الأعمال الذين التفوا حوله ضمن «الأكثرية الأخلاقية» مع معرفتهم سلفاً بالشبهات التي انتشرت حول سلوكه الشخصي وتعاملاته المالية، إضافة إلى عدم التزامه بالتعاليم المسيحية في مجال الأحوال الشخصية، ناهيك عن سجل حافل بالعلاقات الغرامية خارج مؤسسة الزواج.
أما القسيسة وايت التي تعد «مستشارة روحية» فتنتمي إلى جماعة «إنجيل الرخاء» وهي الفكرة القائمة على أساس أن يعطي أتباعها أموالهم لها، وهي بدورها تستثمرها لهم في الجنة، ومن ثم يعود عليهم الأمر ثراء في الأرض، وهي الفكرة التي تؤدي دوراً لا يبعد كثيراً عن الدور الذي كانت تؤديه الفكرة الكاثوليكية القديمة حول «صكوك الغفران» التي بموجبها تكدست أموال الفقراء في جيوب رجال الدين، بعد أن سفكت بسببها دماء كثيرة أثناء الحروب الصليبية على الشرق العربي المسلم.
وبالمناسبة فإن وايت تُعد ضمن قائمة أثرى الوعاظ المسيحيين في الولايات المتحدة، مثلها مثلها مثل القس كنيث كوبلاند الذي يحض الناس كثيراً على الطمع في «الاستثمار في الحياة الروحية» على الرغم من أنه يستثمر في قطاعات مختلفة، ضمنها العقارات التي بلغ حجم استثماراته فيها أن اشترى جزيرة واسعة، يذهب إليها بين الحين والآخر بطائرته الخاصة.
إن انتشار اللغة الدينية في ثوبها المسيحي الثيوقراطي داخل مؤسسات رسمية في كثير من الدول الغربية يطرح سؤالاً حقيقياً عن مدى قوة المؤسسات العلمانية في دول «العالم الحر» وعن ضمانات عدم انحراف الجماعات الدينية واليمينية في هذه الدول بالمؤسات العلمانية عن وظيفتها الجوهرية في الحفاظ على الدين شأناً شخصياً لا يخالط الحياة العامة، التي بدأت تغزوها عبارات ثيوقراطية من مثل «ترامب رجل الله» و«الرب يخاطب القسيسة وات» ومايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي السابق الذي يحرص دائماً على أن يضع الإنجيل مفتوحاً دائماً أمامه، كي يظل يتذكر «الرب وكلمته» وغير ذلك من مظاهر «الغزو المسيحي» لمؤسسات الدولة العلمانية في الغرب.
أخيراً: لا مشكلة في أن يكون السياسي متديناً ما دام ملتزماً بعدم تحويل الدين إلى «متجر» أو سوق أسهم يخضع للمزايدات التي يعتصر فيها السياسي المسيحي «المتدين» جسد السيد المسيبح حتى آخر قطرة من دمه، لا ليتحول الدم إلى خمر، بل إلى كاش سياسي واقتصادي يؤكد حقيقة أن السياسات العلمانية يمكنها كذلك أن تلجأ إلى الدين لخدمة أغراضها في السلطة والثروة.

كاتب يمني