الرئيسية / home slide / تسييس المسيحية… لمحة تاريخية

تسييس المسيحية… لمحة تاريخية

منذ 13 ساعة

 محمد جميح
القدس العربي
25112021 

ركز كثير من الباحثين خلال العقود أو السنوات الأخيرة على التوظيف السياسي للإسلام، غير أن التوظيف السياسي للأديان الأخرى ـ قديماً وحديثاً – لم يحظ بالقدر نفسه الذي حظي به «تسييس الإسلام».
وعند الحديث عن تسييس الأديان فإن المسيحية التي فَصَلت بين «ما لله» و«ما لقيصر» تعرضت لأكبر عمليات التسييس الديني بعد فترة من الاضطهاد الرهيب الذي لقيه المسيحيون على يد الرومان الذين جعلوا المسيحية – فيما بعد – ديناً رسمياً للدولة في عهد الإمبراطور قسطنطين العظيم، ليتسنى لهم ولورثتهم بعد ذلك أكبر توظيف سياسي للمسيحية، انحرف بها عن أهداف المسيح في خدمة «مملكته الروحية» إلى أهداف القيصر في خدمة «إمبراطوريته المادية».
وعندما انقسمت الدولة الرومانية إلى شطرين، لم يكن من قبيل المصادفة أن الشطر الشرقي في القسطنطينية كان أرثوذكسي المذهب، يوناني اللغة والثقافة، في مقابل الشطر الغربي في روما الذي كان كاثوليكي المذهب، لاتيني اللغة والثقافة، في انعكاس واضح للأبعاد السياسية في رسم الخرائط المذهبية المسيحية.
وقد حفظ التاريخ حروباً مروعة جرت باسم المسيحية، سواء شنتها دول أوروبية ضد بعضها أو ضد دول أخرى لأهداف استعمارية. ولعل من أبرز مظاهر تسييس المسيحية ضد الشعوب الأخرى ما شهدته فترة الحروب الصليبية على الشرق العربي الإسلامي من مجازر ضد المسلمين، بدعوى تطهير مهد المسيح من دنس «المسلمين الكفار» وإنقاذ «خراف المسيح» من «براثن المسلمين» في بلاد الشام وعموم الشرق الإسلامي، على الرغم من معاناة مسيحيي الشرق من وطأة الوجود الصليبي حينها.
وبلغ من أمر تسييس المسيحية في الحروب الصليبية أن تم اختراع «صكوك غفران» للزج بآلاف الفقراء المسيحيين في أتون الحرب على الشرق المسلم، استجابة لدعوة البابا أوربان، الذي زعم أن المشاركة في الحروب الصليبية تغفر للمسيحي كل خطاياه، وأعطى المقاتلين صكوكاً بذلك، قبل أن تتطور تلك الصكوك لتصبح وسيلة لملء خزائن الكنيسة بالأموال التي تؤخذ مقابل منح تلك الصكوك لمن وصفهم مارتن لوثر بـ «الفقراء والأميين» الأمر الذي دفع البابا لإهدار دمه ومحاولة قتله، لولا التفاف الألمان حوله بدوافع عرقية ممزوجة بنزعة قومية سياسية للاستقلال عن السلطة الدينية لروما، ومن هنا ولدت حركة الإصلاح البروتستانتي التي تأثرت كثيراً بالأفكار التنويرية الإسلامية في الأندلس وغيرها، وعلى الإثر أصبحت البروتستانتية ثاني أكبر المذاهب المسيحية بعد المذهب الكاثوليكي.
وفي مطلع القرن السادس عشر مات ولي عهد أنكلترا الأمير الشاب آرثر نجل الملك هنري السابع، مخلفاً وراءه زوجته الأميرة الأسبانية كاثرين أراغون، فخلفه على ولاية العهد أخوه هنري الثامن، وأراد والدهما الذي كان يطمع بضم شمال فرنسا لتاجه، أراد تأكيد تحالفه السياسي مع أسبانيا المتحالفة مع إيطاليا ضد فرنسا، غير أن هذا «الزواج السياسي» كان يتعارض مع ما ورد في العهد القديم من الكتاب المقدس في سفر اللاويين الذي ينص على أنه «إذا أخذ رجل امرأة أخيه فذلك نجاسة» ولم يكن من حل أمام هذا التحريم إلا اللجوء إلى بابا الفاتيكان «يوليوس الثاني» لإصدار استثناء على شكل «مرسوم بابوي» يبيح ذلك الزواج، ونفذ البابا الرغبات الشخصية والسياسية المشتركة وتم الزواج «المخالف لتعاليم الكاثوليكية».

يمكن القول إن المسيحية التي كان موقفها من السياسة أن «يُعطى ما لله لله وما لقيصر لقيصر» قد ابتعدت السياسات الصليبية والاستعمارية الأوروبية عن روح السيد المسيح، ليأخذ «القيصر» باسمها ما له وما لله في الوقت نفسه

المثير في الأمر أن هذا الزواج «غير الشرعي» الذي كان لغرض سياسي انتهى بطلاق «غير شرعي» ولغرض سياسي كذلك، حيث تغيرت الظروف السياسية بين القوى العظمى الأوروبية حينها، ولم يعد للزواج من قيمة سياسية، وعندها عزم هنري الثامن على الطلاق من الملكة كاثرين والزواج من عشيقته آن بولين، لكن عقدة «الزواج الكاثوليكي» المؤبد وقفت في طريقه، وحينها استنجد بالبابا مرة أخرى ليصدر مرسوماً استثنائياً يحل له الطلاق، لكن منصب البابا هذه المرة كان قد آل إلى كليمنت السابع الذي رفض الإفتاء، لأسباب دينية لا تخلو من أبعاد سياسية، وكما أحل «يوليوس الثاني» الزواج لأسباب سياسية، حرم «كليمنت السابع» الطلاق لأسباب مشابهة، الأمر الذي دفع هنري الثامن إلى إعلان الانفصال عن البابا والفاتيكان، وتأسيس كنيسة أنغليكانية خاصة بإنكلترا، أصبح الملك رأسها بالإضافة إلى كونه رأس الدولة، ومنع البرلمانُ الكنيسة من إصدار أية تعليمات دينية دون موافقة الملك، وكان للملك ما أراد من طلاق كاثرين والزواج من آن. ومن هنا بدأ تراجع الكاثوليكية كمذهب رسمي للدولة في انجلترا، واتسع المجال لمبشري البروتستانتية الذين قدموا من ألمانيا، في عهد هنري الثامن وورثته، رغم محاولات ماري ابنة الملك من زوجته كاثرين العودة بالبلاد إلى الكاثوليكية، حيث قتلت آلاف البروتستانت حتى سميت «ماري الدموية» لأنها رأت البروتستانت سبباً في مأساتها ومأساة والدتها، غير أن أختها إليزابيث من زوجة أبيها آن بولين خلفتها على العرش وناصرت البروتستانتية التي استمرت في البلاد إلى يومنا هذا.
ومع وجود أسباب شخصية ظاهرية لملوك الإنكليز في التحول إلى البروتستانتية إلا أن ما حدث لا يمكن فهمه بعيداً عن الطموحات السياسية لملوك انكلترا بالانفصال الديني عن روما، وتأسيس مرجعية دينية ذات أبعاد قومية انجليزية تميز الإنكليز وسكان الجزيرة البريطانية عن الرومان، وهي الأسباب التي شجعت الشعوب الجرمانية على الالتفاف حول مارتن لوثر، جرياً على دأب الأعراق المختلفة في الاحتفاظ بهوية دينية أو مذهبية مختلفة لغرض التمايز، حيث يرتبط العرق بالمذهب ويتميز الجين بالدين، كما مر معنا حول أرثوذكسية البيزنطيين، وكاثوليكية الرومان، وبروتستانتية الجرمان والأنكلو-سكسون، بشكل إجمالي.
وفي العصر الحديث استمرت عمليات التجريف السياسي للمسيحية، حيث كانت طلائع المبشرين الأوروبيين تسبق جيوشهم إلى بلدان آسيا وأفريقيا والعالم الجديد، تمهيداً لموجات المستعمرين، ويمكن – في هذا السياق – سرد تفاصيل كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وقصص لا تحصى من كل المناطق التي وصلها الاستعمار الأوروبي، حيث مهدت إرساليات التبشير المسيحي لحملات هذا الاستعمار، ووظفت المسيحية كأداة للتغطية على حقيقة الأطماع الاستعمارية، بطريقة ربطت الإرساليات التبشيرية والحملات الاستعمارية بعلاقة عضوية، مهدت فيها «الكلمة» المسيحية الموجهة إلى عقول وأرواح أبناء الشعوب المستعمرة للبندقية الاستعمارية الموجهة إلى رؤوس وصدور أبناء تلك الشعوب.
وقد أشار اللورد بلفور إلى أهمية الإرساليات التبشيرية، لأن «المبشرين هُم مَن ساعد جميع الحكومات المستعمرة وعضّدها في كثيرٍ من الأمور المهمّة، ولولاهم لتعذر على تلك الحكومات أن تذلل كثيراً من العقبات».
وبطبيعة الحال فإنه لا يمكن إنكار وجود نوايا طيبة لدى كثير من المبشرين المخلصين للمسيح، لكن تيار التبشير ـ في المجمل – لم يكن أكثر من «ذراع روحية» في يد الدولة القومية الأوروبية التي لم تكتف بـ«إخضاع جسد» البلدان المستعمرة بالسلاح، بل طورت وسائل ماكرة لـ«أخضاع روح» تلك البلدان بالإنجيل، عن طريق الإرساليات التبشيرية التي مهدت – إلى جانب البعثات الاستشراقية ـ الطريق أمام القوى الاستعمارية الأوروبية إلى مناطق واسعة في كل من آسيا وأفريقيا والأمريكيتين وأستراليا.
الحكاية تطول، حكاية الأديان التي جاءت في الأصل لتصل بالإنسان إلى «ملكوت السماء» فطوعها الإنسان ليصل بها إلى «ملك الأرض» وهي الحقيقة التي أشار إليها «سيموز» حين قال: «جاء الرجل الأبيض إلى إفريقيا وبيده الإنجيل، ولم تمرَّ عقودٌ قليلة حتى أصبحت الأرض بيده، وأصبح الإنجيل بيد الرجل الأسود».
أخيراً، يمكن القول إن المسيحية التي كان موقفها من السياسة أن «يُعطى ما لله لله وما لقيصر لقيصر» قد ابتعدت بفعل النزعات الشخصية والسياسات الصليبية والاستعمارية الأوروبية عن روح السيد المسيح، ليأخذ «القيصر» باسمها ما له وما لله في الوقت نفسه.

كاتب يمني