الرئيسية / أضواء على / تسريب جنبلاط… إن حكى الخبايا

تسريب جنبلاط… إن حكى الخبايا

وليد جنبلاط.

شغلٌ شاغلٌ يشغل اللبنانيين هذه الأيام، وهو كيفيّة تخزين المواد الغذائية وفي طليعتها “كيس الطحين”، وهي المرّة الأولى منذ عشرات السنين، تتحوّل هذه الممارسات الشعبية التي لطالما عرفتها القرى اللبنانية كلّما كانت تشهد الأوضاع السياسية والأمنية تأزّماً، إلى إجراءات ذات أولويّة، لا احترازية فحسب. ويكسب التحذير الذي تضمّنه الحديث المسرّب عبر اتصال هاتفي أجراه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط مع عدد من أبناء الجالية اللبنانية في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، في قوله إن “الجبل ولبنان على مشارف الجوع”، تقليد تخزين أكياس الطحين في المنازل، جديّةً أكبر وواقعية أهمّ، خصوصاً أنها من الاستثناءات صدور دعوات من هذا النوع على لسان أقطاب بارزة في البلاد.

أبرز ما يمكن تأكيده أن دعوات جنبلاط وانطباعاته تتلاقى مع رؤية اقتصاديين كبار، حتى أولئك الذين يُعرفون باحتكامهم إلى مدرسة التفاؤل في تصريحاتهم، باتوا أقرب إلى الخروج من مسرح البراغماتية في تعاملهم مع الوقائع. ويقول أحد الخبراء الاقتصاديين البارزين في هذا الشأن إنّ “شحّ الدولار ينعكس تدريجياً نقصاً في المواد الاستهلاكية والأدوية، واستحالة القدرة على الاستمرار وفق سيناريو الاستيراد في السنوات الماضية”. ويعني ذلك أن الإقبال على التموين الغذائي لم يعد يندرج في سياق الممارسات الشعبويّة.

وتنمو مخاوف جدية من استنزاف احتياطات المصرف المركزي في المرحلة المقبلة، بعدما أضحى سبيلاً معتمداً لتمويل نفقات الاستيراد، علماً أن دوره يكمن في الحفاظ على الاستقرار النقدي، وأن مهمّة من هذا النوع لا تندرج من ضمن مهمّاته. الأرقام هي الأكثر تعبيراً عن مآلات الوضع القائم. فلبنان يستورد سنوياً بقيمة 20 مليار دولار، وهو مبلغ لا بدّ من تأمينه بالدولار، إذا كان لا بدّ من الحفاظ على نمط العيش السائد سابقاً، وهذا ما هو غير قابلٍ للاستمرار.

“لبنان القديم انتهى”، وهي عبارة ذكرها جنبلاط في حديثه، وتُردد في صالونات سياسية عدّة رغم اختلاف توجّهاتها. هذه الانطباعات كانت سُجّلت قبل أسابيع في الأروقة التقدمية. وكان ردّد أحد النواب البارزين في “اللقاء الديموقراطي” أن الأوضاع المعيشية ستنحدر إلى نحو لا يمكن توقّعه إذا بقي المشهد على ما هو عليه.

ويبقى التساؤل الأبرز في الأسباب التي دفعت زعيم المختارة إلى استخدام قاموس مماثل في كلامه. في معلومات من أوساط مطلعة، أصبح جلياً من صورة مرسومة لدى جنبلاط باتت تعبّر عن عجز الحكومة العتيدة عن الانقاذ، وذبذبات وصلت إلى فلكه تشير إلى أن ضوابط وضعت على رئيس الحكومة المكلّف حول توزيع الحقائب الحكومية التي منها ما سيبقى ثابتاً نسبة إلى القوى السياسية التي كانت تتولاها. ويؤشّر ذلك إلى منحى سلبيّ متدحرج، وغياب القدرة على المعالجة في ظلّ غياب ترف الوقت الذي كانت تحمّلته البلاد سابقاً بغية تشكيل حكومات، ومقياس الوضع الانحداري بات اليوم نسبة إلى “كلّ ساعة بساعتها”.

“المجاعة” عبارة خطيرة، تذكّر اللبنانيين بمرحلة عاشوها قبل أكثر من مئة سنة، وهي ما عرّج عليه جنبلاط في حديثه المسرّب. مسؤول الملف الاقتصادي في الحزب التقدمي محمد بصبوص، يفكّك عبر “النهار” أبعاد موقف جنبلاط في قوله إن المؤشّرات التي تحدّث عنها في التسريب كانت ظاهرة في شكل مسبق، ولم تكن ثمة نية جديّة في المعالجة. وصلت الأمور إلى مرحلة خطيرة من الناحية النقدية والمالية للدولة ما ينعكس على الوضعين الاجتماعي والاقتصادي. ويتحدّث جنبلاط عن أيام سوداء قد يكون لها أثرها الكبير على كامل شرائح المجتمع اللبناني في ظلّ خوف أكبر يكمن من غياب السيولة (بالدولار) المتوافرة اليوم لدى الصيارفة حتى في الأسعار المعتمدة في السوق السوداء.

مؤشرات بصبوص تدلّ على أن سعر صرف الدولار قد يرتفع أكثر في السوق السوداء في المقبل من الأيام، في ظلّ زيادة الطلب على الدولار وندرته في السوق. وما هو ظاهر أن عملية الارتفاع السريع في سعر صرف الدولار خلال أقلّ من 40 يوماً يدلّ على أن هناك وضعية نقدية غير سليمة، ولا أحد يستطيع تقدير إلى أين يمكن أن يصل سعر الصرف في السوق السوداء غير الممسوكة من دون ضوابط، وفق بصبوص.

ويرى بصبوص أن “الوضع مأزوم والتدابير المتخذة من مصرف لبنان من شأنها تأمين الحدّ الأدنى من الاستيراد المتعلق بعناوين ثلاثة هي القمح والمشتقات النفطية والأدوية. وفي العناوين الثلاثة هناك مشاكل تطرأ كما يحصل اليوم مثلاً في قطاع الأدوية ومستلزمات المستشفيات الضرورية رغم محاولة تأمين الضروريات. أما أي مستلزمات إضافية، فستشهد مشاكل كبيرة في استيرادها في ظلّ ارتفاع الأسعار واضطرار التجار إلى دفع ثلث إضافي على المبلغ الأساسي بغية تأمين البضاعة. ويكمن الخوف الأكبر من عدم قدرتهم على تأمين الدولار مستقبلاً. وإذا بقيت الأمور مستمرة بالطريقة ذاتها سيؤدي ذلك إلى تضخم وانخفاض القدرة الشرائية للبنانيين دراماتيكياً.

إلى ذلك، تحدّث جنبلاط عن ضرورة إعادة تحفيز القطاعات الإنتاجية. يأتي ذلك في ظلّ حركة بدأت تشهدها بلدات جبل لبنان عبر العودة إلى القطاع الزراعي. ويشير بصبوص إلى أن “جنبلاط يحاول العمل على ترجمة عناوين أساسية تساهم في دعم القطاعات الانتاجية”، لافتاً إلى أن “كميات البذار موجودة في لبنان، لكنها غير كافية إذا كان لا بدّ من تعميمها على كلّ المساحة اللبنانية. والقطاع الصناعي يتخبّط في مشاكل القطاع الزراعي، ذلك أن المنتجات الوطنية ستشهد ارتفاعاً للأسعار في ظلّ استيراد المواد الأولية الضرورية للانتاج المحلي عبر السوق السوداء. ومن هنا، كان لا بدّ من دعم المواد الاستهلاكية الضرورية الأساسية التي يمكن لها أن تعزّز الصناعات الوطنية”.

ويخلص بصبوص إلى أن “أحداً لا يستطيع تقدير أضرار تأمين العملة الصعبة من السوق السوداء في قابل الأيام. وقد شهدت البلاد في الفترة السابقة، وستشهد، اذا ما استمر المنحى الانحداري، على إغلاق مؤسسات صناعية كبيرة”.

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد