الرئيسية / مقالات / تسبّبوا بخفض الليرة واقعيّاً ويخشون خفضها رسميّاً

تسبّبوا بخفض الليرة واقعيّاً ويخشون خفضها رسميّاً

هل تسبّب الاحتجاج الوطني الأكبر في تاريخ لبنان الحديث الذي بدأ في السابع عشر من الشهر الماضي في الانهيار المالي الذي تمثَّل بأمور عدّة منها ممارسة المصارف سياسية الـCapital Control بمبادرة من قرار جمعيّتها، وهي تعني تقييد تحويل العملات الصعبة وفي مقدّمها الدولار الأميركي إلى الخارج أو بالأحرى منعه، وتقييد حركة استعمال المودعين الدولار وغيره في حريّة أي سحب الكميّات التي يحتاجون إليها منه، وتعقيد حركة المستوردين سواء للمواد الاستراتيجيّة مثل المحروقات والدواء والطحين (أو القمح)، وجعل حركة مستوردي البضائع الأخرى التي لا تقلّ أهميّة مثل الغذاء على تنوّعه ومواد أخرى. أم أن ملامح الانهيار المالي والتعثّر المصرفي وفقدان مصرف لبنان والمصارف الخاصّة معه الكميّات اللازمة من العملات الصعبة لمواجهة حال تأزّم شعبي سياسي واقتصادي ظهرت لأن الأخيرة اقترضت أكثر ممّا يحقّ لها بموجب القانون وهي نسبة محدّدة من رأس مالها، أو لأنّ الأوّل وبالتواطؤ مع المصارف أو بعضها أجرى عمليّات عدّة ألحقت أذى بالماليّة العامّة والوضع العام وأفادت وعلى نحو غير شرعي جهات عدّة سياسيّة مصرفيّة؟ الجواب عن السؤالين ليس سهلاً. فقد نشبت الأزمتان السياسيّة الوطنيّة والماليّة المصرفيّة الاقتصاديّة في وقت واحد تقريباً ربّما مع فارق أيّام قليلة. علماً أنّ الأزمة الثانية كانت متوقّعة أوّلاً إلّا أنّ الأولى فاجأت لبنان الشعبي والسياسي والعالم كلّه الأمر الذي سرّع نشوب الثانية.

طبعاً هذه المقدّمة مُهمّة لكنّها ليست موضوع “الموقف هذا النهار” اليوم. إذ أنّ موضوعه هو نتائج الأزمتين على صعد مُتنوّعة. فمن جهة صار للدولار الأميركي سعران في مقابل الليرة اللبنانيّة، وقد سبق ذلك نشوب الأزمتين. سعر رسمي يتجاوز الـ 1500 ليرة بـ 10 أو 15 ليرة، وسعر السوق الموازية كما سمّتها نقابة الصرّافين والمصارف ومصرف لبنان بعد الاعتراف بها عمليّاً. علماً أنّها سوق سوداء بكل ما لهذه الكلمة من معنى. سوداء لأنّها مع إقفال البنوك وتقييد التحويل من دون تعميم رسمي من مصرف لبنان صار اللبنانيّون العاديّون والمقيمون في بلادهم مضطرّين إلى دفع فرق بين السعر الرسمي لدولار شحيح وإجمالاً غير متوافر وسعر غير رسميّ بدأ 1600 ليرة وصار خلال أسبوعين أو أكثر قليلاً 2000 أو 2100 ليرة. وهو مرشّح للارتفاع ليس بسبب الحاجة فقط بل بسبب الجشع والطمع والبعض يقول التواطؤ بين الجهات الماليّة المعنيّة. لكن عواقب السوق الموازية والسعرَيْن أطاحا عام 1992 رئيس حكومة هو الراحل عمر كرامي بعد انتفاضة شعبيّة قصيرة لم تطل لأن سوريا كانت في لبنان، ولأنّ كثيرين قالوا أنّها كانت مُخطّطة لإخراجه والمجيء بالشهيد رفيق الحريري إلى الحكومة بموافقة دمشق بعد انتخابات نيابيّة أجراها الرئيس رشيد الصلح وغادر السرايا بعدها. أمّا عواقبها اليوم فتبدو أخطر بكثير ذلك لأنّ التحرّك الشعبي مستمرّ ولأن استفزاز المُتضرّرين من “قشرته الوطنيّة، وهم من كل الطوائف والمذاهب، مستمرّ. كما أنّ الحلول للأزمتين الماليّة والسياسيّة غائب. فالمسؤولون في المجالين مُتمسّكون بالسلطة وليسوا على استعداد للتخلّي عنها، والدولة عمليّاً فاشلة ومُعطّلة وفاسدة في معظمها، والطبقات السياسيّة التي تديرها تشعر بأنّها مُستهدفة كلّها رغم الاختلافات بينها. وهذا ما يوحّد مواجهتها أو ربّما مواجهة غالبيّتها التحرّك الشعبي الوطني بكل الأدوات الشرعيّة وغير الشرعيّة وذلك بهدف إمّا إعادة المشاركين فيه إلى بيوت طاعة قادة “شعوبهم”، وإمّا إلى تطويعهم وإفشال حراكهم بالفوضى والاشتباكات وزعزعة الاستقرار الأمني ولاحقاً بالجوع الذي سيدفع اللبنانيّين الذين أبلغهم المصرفيّون الرسميّون وغير الرسميّين أنّ أحد الأسباب الرئيسيّة لشحّ الدولار في الأسواق هو إقدامهم هم وكلّ بحسب حجمه على سحب 3 مليارات دولار على الأقل و”تخزينها” في البيوت، سيدفعهم إلى الحصول على المال بقوّة السلاح من المنازل “المُشتبه بغناها”. علماً أن لا شيء يمنع تكوّن عصابات سطو لبنانيّة وغير لبنانيّة وربّما من بقايا الميليشيات.

ومن جهة أخرى، فإنّ الأزمتين السياسيّة والماليّة دفعت المؤسّسات الكبيرة والصغيرة إلى صرف عدد مهمّ من عمّالها أو إلى خفض رواتبهم إلى النصف أو إلى الإقفال. وفيما لا يبقى هذا الكلام عامّاً رغم أنّه يحصل يوميّاً فإن المعلومات المتوافرة عند جهات على اطلاع جدّي وموثوق به على وضع المؤسّسات الماليّة والمصرفيّة تفيد أن بنوكاً صرفت نسباً متنوّعة من موظّفيها وخفّضت رواتب الباقين في العمل. وتفيد أيضاً أنّ استمرار الحال الراهنة المتأزّمة على كل الصعد سيرفع نسبة الصرف من الخدمة ويُخفِّض أكثر نسبة الاقتطاع من الرواتب. وهي تفيد ثالثاً عن وجود ودائع ماليّة بالدولار الأميركي كبيرة جدّاً في مصارف معيّنة وهي لجهات أو شخصيات عربية وازنة جدّاً، ويراوح حجمها بين مليار واثنين من الدولارات الأميركيّة. فهل ستتركها للمصارف ولتدابير الـ Capital Control ولا سيّما عندما تُصبح سياسة رسميّة لدولة لبنان ممثّلة بحاكم مصرفه المركزي، وتالياً لما يُسمّى الـ Hair Cut الذي يُلغي قسماً مهمّاً منها؟ علماً أن لجوء الدولة لاحقاً، وهذا أمر ممكن، إذا أقدمت حكومة جديّة فيها وبعد اتخاذها إجراءات قاسية جدّاً على الاستعانة بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وإلى تطبيق شروطهما ومنها إعادة هيكلة الدين، علماً أنّ ذلك سيدفع أصحاب الأموال المحظور تحويلها أو سحبها في حال توافرها إلى استعمال أقسى الإجراءات لاستعادتها أو للانتقام من المسؤولين الكبار في المصارف. وهذا خطر على الجميع أن يفكّروا فيه. فأحد المواطنين من منطقة معيّنة دخل مصرفاً في منطقته وطلب وديعته المحدودة جدّاً أو بعضها ولما رُفِض طلبه “حطّمه”. فكيف بالذين يمتلكون ودائع ضخمة و”يدهم طايلة” كما يُقال. وأحد المواطنين من منطقة أخرى أرسل زهاء 130 من الذين يعملون لديه إلى مصرف له فيه وديعة تقلّ عن 30 مليون دولار فهدّدوا موظّفيه وأصحابه لرفضهم السماح له بسحب وديعته. فماذا سيفعل هؤلاء لاحقاً؟

ومن جهة ثالثة يقول باحثون في الشؤون المصرفيّة والماليّة أن تثبيت سعر الليرة اللبنانيّة منذ نحو 25 سنة أمر خاطئ. فهذا إجراء يُتَّخذ مرّة ومرّة ثانية وثالثة عند الضرورة، لأنّ إبقاءه يُكلِّف كثيراً جدّاً. وإذا كان لبنان سواء أيّام الرئيس رفيق الحريري أو بعد استشهاده نجح في عدم التعرّض إلى عواقب التثبيت المستمرّ فإنّ ذلك عاد إلى حركة عمرانيّة وسياحيّة واقتصاديّة ناشطة في البلاد، وإلى مساعدات ماديّة وودائع عربيّة وأجنبيّة أودعت في مصرف لبنان ومصارف خاصة، كما إلى مساعدات المغتربين الماليّة لعائلاتهم. ولم يكن سبب استمرار النجاح قيام الدولة بكل مؤسّساتها، والقطاع الخاص المصرفي وغيره بكل واجباتهم. والدليل أنّ البلاد هرّت وتراكمت الديون وتكاد الدولة أن تُفلس ويئس المواطنون من وطنهم الذي صار مُشلّعاً وموزّعاً على الطوائف والمذاهب بل على المتحكّمين بها والمتزعّمين عليها. وسبب ذلك الفساد أوّلاً وثانياً وثالثاً ومعه سرقة الدولة. ويعني ذلك أمراً واحداً هو وجود رغبة عند الكثير من شعوبها في “حلبها” إلى الآخر لأنّها ليست دولتهم، ولأن لكلِّ واحد منها رغبة في دولة مناقضة لدول شقيقاته أو هادفة إلى السيطرة عليها وحكمها بالاستعانة بالخارج أي خارج مُتوافر. استناداً إلى ذلك يعتقد الباحثون المُشار إليهم أعلاه أنّ المسؤولين المصرفيّين والسياسيّين سيجدون أنفسهم مُضطرّين يوماً ما إلى خفض سعر العملة الوطنيّة Devaluation وفق خطّة محليّة – دوليّة جديّة ومُحكمة وربّما في ظلّ دولة جديدة أو شبه جديدة. أمّا السبب فهو أن سعرها الآن انخفض كثيراً عمليّاً جرّاء ارتفاع سعر الدولار نسبة إلى الليرة وجرّاء ارتفاع أسعار السلع والبضائع المستوردة والمُنتجة محليّاً. وهذا أمر لن يزول فور تأليف حكومة جديدة. ومن الأفضل أن تقوم به الدولة من أن يحصل بعد انفراطها أو انهيارها. ومن ينظر إلى تجربة مصر يرى أنّها عانت من عدم انطباق سعر عملتها مُقارناً بالدولار على الواقع فغضّت النظر جزئيّاً عن السوق السوداء وكافحتها أحياناً. ولاحقاً اعترفت بها سوقاً موازية وواكبتها. وبعد سنتين أو ثلاث صار سعر هذه الأخيرة السعر الرسمي. طبعاً الفرق بين مصر ولبنان أنّ في الأولى دولة وإن “غير ديموقراطيّة” وفي الثاني دولة فاشلة ومزيّفة لكن ديموقراطيّة بالإسم طبعاً.

اضف رد