الرئيسية / أضواء على / تريز بصبوص… أنثى متمردة على خشبة الحياة والمسرح

تريز بصبوص… أنثى متمردة على خشبة الحياة والمسرح

مجموعة صور من غالير ي “دامو” لبصبوص خلال مسرحية ” المكنسة”.

يتراكم الشوق لرحيل تريز عواد بصبوص، الصحافية والشاعرة وعاشقة المسرح، لأن الحنين الى الماضي لأمثال بصبوص يشبه كثيراً تذوق طعم النبيذ المعتق في براميل السنديان، ويتحول الحديث عن بصماتهم الخالدة إكسير ذلك النبيذ المطبوع بلمسة فنية جديدة.

تزامن رحيل تريز عواد بصبوص مع إسدال الستارة على مجد الصحافة، التي تبدلت معالمها كما الحال في هذا الوطن. أما الأدب والشعر في يوميات بصبوص، فهما نور فائض على متذوقيه، له امتداده وراء أفق المدينة المسورة هناك.

حساسة كالوتر المشدود

صورة لتريز عواد بصبوص.

مواضيع ذات صلة

في تعليقه الأول على خبر وفاتها، كتب هاني فروخ، نجل الراحل الكبير مصطفى فروخ بعض السطور عن بصبوص قائلاً: “عرفْتُها شخصياً، شاعرة مبدعة، وشفافة وحساسة كالوتر المشدود. لا أعلم لماذا لم تعد تظهر في عالم الثقافة منذ مدة”. وأكمل سرده قائلاً:” لا بد أن العلي الكريم قد خصص مكاناً مميزاً في الجنة، للأدباء والشعراء والفنانين والموسيقيين لأنهم في مرتبة أعلى من بقية الناس…”.

عندما تحدثت عبر الهاتف مع النحات إبرهيم زود، الصديق الوطيد لآل بصبوص، ذهبت مخيلته الى وداع تريز وهو يوجه نظره الى راشانا “بين التماثيل الشامخة الانحناء، جمهور افتراضي جاء يودع عند القلعة الرابضة على كتف البحر تريز عواد بصبوص، حارسة قلعة راشانا بكل ما فيها من تاريخ ومستقبل”، قال زود.

الانطلاقة

تريز بصبوص محاطة بأصدقاء ميشال بصبوص.

وشدد على أنه عند “زواجها من ميشال بصبوص صار لراشانا شأن ثقافي آخر”. برأيه، “أرست بكل جدارة مسرحاً طليعياً في الهواء الطلق، كان أنطوان ملتقى المتلقي لهذه المغامرة – التجربة. كل بيروت الثقافة انتقلت إلى راشانا لتحتفل بهذه الانطلاقة”.

بالنسبة له، “مع تريز بصبوص صار لراشانا شأن آخر غير الفن، إنتقلت بها إلى المسرح والشعر والأدب”،لافتاً الى أنه “بثقافتها إضاءات على الأخوة الثلاثة: ميشال وتجاربه الطليعية ألفرد وحسه للحجر. ويوسف وتميزه بالخشب”.

وقال: “كل واحد كان له شأن بهذه الحركة، التي أعطت لبنان بعداً فنياً خاصاً. كان لميشال نظرة كونية للفن تأخذه إلى خارج الحدود المرسومة. عند ساعته الأخيرة قال لزوجته: سلّمي لي على الكون”، وكأنه يودع حلماً لم يكتمل. هو بالنتيجة رأس الهرم في تحويل راشانا من ضيعة منسية إلى متحف متوهج”.

النجات إبرهيم زود برفقة النحانة سلوى شقير.

تجربة “دامو”

للنحات إبرهيم زود ولزوجته سُليمى الرسامة التشكيلية ذاكرة حية ونابضة في غاليري دامو في إنطلياس، التي شكلت في الزمن الجميل، نقطة تلاق بين شعراء وأدباء ومسرحيين وفنانين. خص إبرهيم زود “النهار” ببعض ذكريات غاليري “دامو” مع تريز بصبوص، التي “دخلت معنا في بدايات نشاطنا في غاليري دامو، يوم جاءنا يوسف الخال بعد تهجير غاليري (وان) وسرقتها”. وشدد على أن “دامو”، كانت وقتئذ مركز تجمع للفنانين والشعراء والمسرحيين بدءاً من انسي الحاج وريمون جبارة وبيار صادق والياس الرحباني وسواهم”.

من الشمال سليمى زود، رضى خوري، أدونيس، سمير صليغ، ربى سابا حبيب ، خالدة سعيد وجو طراب.

كيف توطدت علاقة آل زود بآل بصبوص؟ ذكر زود أن “علاقتنا مع آل بصبوص لم تكن تتعدّى زيارات رشانا قبل افتتاح الغاليري في انطلياس”، مشيراً الى أن “العلاقة توطدت مع الأخوة الثلاثة ميشال، ألفرد ويوسف”.

وتوقف عند معرفته بتريز  “في الواقع تفاجأت بالزخم الثقافي، التي تمتلكه، وما ترافق معه من اطلاع واسع الأفق لديها. رافقتنا بكل نشاطاتنا مع ميشال وبعده. لم تنقطع لقاءاتنا. ما هو واضح في شخصيتها حس النقد الإيجابي من دون مسايرة”.

وانتقل الى مسرحيتها “المكنسة”،  إذ “لا أنسى يوم قراءة مسرحيتها في قاعة غاليري دامو، وكيف مثلتها قراءة وحركة”. وتذكر يوم أرادت تقديم مسرحية “المكنسة” في الغاليري “كنا في مرحلة التحضير، أذكر أن زارنا في حينها قبل يوم من العرض فاروق المقدم. جلس أرضاً يشاهد العرض التجريبي مدهوشاً متمنياً مشاركتنا نشاطاتنا، إلا أن ظروفه منعته من ذلك”.

“المكنسة”

يوسف الخال، ميشال عقل، فؤاد رفقة وسمير الصايغ.

وتحدث عن ليلة الافتتاح، الذي كان الحضور فيها نخبوياً، لكنّ “الكل جلس على الأرض يتابع سير المسرحية وتريز تجود ولا تكل طوال ساعة كاملة والحضور لا يمل”.

وأكد على أن ما نشر عن المسرحية “فاق تصورنا. وإنني أكتفي بما كتبه الأب الفنان يوحنا صادر: “شعرت مع تريز أن عالماً يولد بالفعل في حياتي، وأحسست أن الأشياء، التي لم أكن أعيرها انتباهي انتفضت تتحداني كألوان مبعثرة تجمعت في لوحة تجريدية ضمن إطار أنيق”.

وإنتقل في حديثه الى بعض أعمالها التي أقامتها مع أصدقاء ميشال بصبوص بذكرى وفاته الأحد 25 تشرين اول 1981، وقد حضر كل لبنان الثقافي يومها بالرغم من الأحوال المتردية في ذلك الوقت”.

الشعر والمعرض

ماذا عن شعرها؟ ذكر زود أن “شعرها بالفرنسية لا يقل شأناً عن شعرها باللغة الأم”، معتبراً أنه “منذ تخرجها من السوربون عام 1964 مع شهادتها العليا في الأدب الفرنسي وهي لم تهدأ في العطاء”.

من قصاصات الصحف لإحدى قصائدها.

أما التجربة الأخرى مع آل بصبوص، فقد تحدث زود عن “يوم جاءتني تريز بصبوص عارضة إقامة معرض لميشال عن أعماله بالحبر الصيني، كانت فكرة جديدة كون هذه الأعمال لم تعرض سابقاً. ذهبت مع زوجتي سليمى مديرة قاعة العرض وجاكلين زغيب إلى راشانا، حيث كان لقاء مع تريز شرحت لنا قيمة الأعمال، وما تعتبره إنجازاً لها بالاضاءة على أعمال محفوظة بعناية من أعماله غيرمعروفة. وكان معرضاً ناجحاً وغير متوقعاً للحركة الفنية. لميشال بصبوص إمكانات لم تنضب”.

وخلص بالقول إننا “تأمل في أن يكون أناشار، النحات التجريبي المبدع، أميناً على تراث والديه ميشال وتريز، فيكمل المسيرة. لتظل راشانا منارة لا تنطفئ”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel