الرئيسية / home slide / تركيا والسعوديّة والإمارات من “العداء” إلى التعاون؟

تركيا والسعوديّة والإمارات من “العداء” إلى التعاون؟

04-12-2021 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

السفارة السعودية في تركيا (أ ف ب).

أظهرت #تركيا رجب طيّب أردوغان اهتماماً دائماً ب#لبنان. لكن بطريقة ناعمة تلافياً لأن تصطدم باللاعبين الإقليميّين والدوليّين فيه، الذين استأثر كلٌّ منهم بـ”شعبٍ” لبنانيٍّ مُعيَّن، وراح الجميع يتصارعون على النفوذ في لبنان، عاكسين بذلك صراعهم الفعليّ المُزمن إلى حدٍّ ما في المنطقة كلِّها. أبرز هؤلاء إلى تركيا، إيران الإسلاميّة والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة وقطر واستطراداً مصر وأخيراً الأردن، ومعهم كلُّهم الولايات المتّحدة وروسيا. لكنّ “نعومتها” المُشار إليها لا تعني عدم مُتابعة الأوضاع اللبنانيّة بدقّة وبعين فاحصة بحثاً عن فرصة سانحة لتوسيع تدخُّلها في لبنان بحيث يتساوى مع اللاعبين الآخرين على أرضه. وقد سنحت هذه الفرصة في شهر تشرين الثاني الماضي الذي شهد فيه لبنان حدثاً خطيراً، أمنياً وسياسياً، كان يمكن أن يُشعل فتيل حربٍ أهليّة جديدة في البلاد، وهو تظاهرة الطيّونة – الشياح – عين الرمّانة التي انتهت باشتباك “مسيحي – شيعي”، هدَّد ولا يزال يُهدِّد بالقضاء على السلم الأهلي الذي يُشارف على الموت وينطبق عليه المثل العامّي “لا تهزّه واقف عشوار”. وقد استغلّه أردوغان فأرسل وزير خارجيّته مولود جاويش أوغلو إلى بيروت منتصف الشهر المذكور تقريباً مكوِّناً انطباعاً، وإن غير ثابت حتّى الآن، يُظهر تحسُّن علاقات بلاده مع مُنافسيها في الإقليم، ولكن مع استمرار كلٍّ منهم مُمسكاً بسلاحه أو بفأسه بدلاً من أن يعمد الجميع إلى التخلّي عنهما بل دفنهما.

هذا الموضوع تناوله بجديّة ومعرفة باحث آسيوي عريق أخيراً بقوله إنّ تحسُّن العلاقات المُشار إليه يُبعد شبح الصراعات المُسلَّحة المُحتملة بين الأطراف المُتنافسين، ويسمح لهم في الوقت نفسه بالاستمرار في التنافس وبالتمتُّع بخيرات التجارة والتعاون الاقتصادي وخطوط الاتصالات والتواصل التي تُساعد في منع خروج “الخناقات” والصراعات عن الضبط. واعتبر في الوقت نفسه أنّ جاويش أوغلو سعى إلى ملء فراغ بعد إقدام القوى المُنافسة بـ”نعومة” لبلاده في المجالين الجيوسياسي والديني، أي السعوديّة والإمارات والبحرين والكويت، على فرض مقاطعة اقتصاديّة للبنان، كما على سحب سفرائها منه. ولبنان المعروف بأنّه دولة الدخل المتوسّط في رأي الباحث نفسه، يترنَّح على شفير الانهيار بسبب استيطان الفساد فيه وإرادة نُخبه السياسيّة أن تحمي مصالحها مهما تكُن أكلاف ذلك. نتيجة لهذا الأمر صار ثلاثة أرباع اللبنانيّين فقراء.

أمّا هدف المقاطعة التي تجعل ورطة لبنان كبيرة جدّاً فهو تحريره من قبضة “حزب الله” وميليشياه المدعومين من إيران.

أتت زيارة جاويش أوغلو لبيروت قبل يوم من انعقاد مؤتمر الأعمال الإماراتي – التركي في اسطنبول، ومن زيارة وليّ عهد الإمارات محمد بن زايد لتركيا، وهي الأولى له بعد 12 سنة غيابٍ عنها. كذلك التقى وزير الداخليّة التركي في روما نظيره الإماراتي سيف بن زايد وذلك على هامش مؤتمر برلمانيّي المُتوسّط. طبعاً يعرف الجميع الخصام الطويل بين أبو ظبي وأنقرة من جرّاء تلميح تركيا إلى دورٍ للإمارات في محاولة للانقلاب العسكري على أردوغان جرت عام 2016، كما من جرّاء اعتراض الإمارات على الدعم التركي الواسع للإسلام السياسي وتحديداً لـ”جماعة الإخوان المسلمين”، علماً بأنّ الدولتين خاضتا وربّما لا تزالان تخوضان معارك سياسيّة وعسكريّة بالواسطة في ليبيا وسوريا وشرق المتوسّط وفرنسا. إلى ذلك دعمت تركيا قطر ووسَّعت انتشارها العسكري فيها منذ مقاطعة السعوديّة والإمارات لها التي استمرّت ثلاث سنوات ونصف السنة. في الوقت نفسه، يقول الباحث الآسيوي، كانت مصر والسعوديّة تسعيان إلى تلطيف اختلافاتهما مع تركيا فيما لم يعُد أحدٌ في المنطقة متأكّداً من استمرار الالتزام الأمني الأميركي في الشرق الأوسط. وكان الهدف من ذلك أيضاً حاجة دول الشرق الأوسط كلِّها إلى التركيز على “خلطة” مُعيّنة من الإصلاح الاقتصادي والتنويع والتوسُّع ولا سيّما نتيجة انتشار جائحة “كوفيد 19” والحاجة إلى معالجة أسباب التغيّر المناخي للقضاء على تأثيراته السلبيّة على العالم كلّه.

اللافت يضيف الباحث أنّ الوزير التركي جاويش أوغلو زار طهران قبل يومٍ واحد من وصوله إلى لبنان، حيث سعى إلى دعم وضع بلاده وسيطاً مُحتملاً فيه وفي التوتّر الأذربيجاني – الإيراني، وأخيراً من أجل التوصُّل إلى أرضية مُشتركة في سوريا حيث تتناقض مواقف طهران وأنقرة. وهو أعلن بعد زيارته بيروت “إن كانت هناك إمكانيّة لعملِ أيّ شيء في لبنان في أقرب وقتٍ ممكن فنحن على استعداد للبدء به”. لكنّ المعلومات المتوافرة لا تُشير إلى استعداد السعوديّة والإمارات لتخفيف المقاطعة المؤذية للبنان ربّما لأنّهما لا تثقان بقدرة تركيا على أو برغبتها في التصرّف وسيطاً مقبولاً وغير مُنحاز. ولعلَّ محاولة تركيا التدخُّل في لبنان وفي مناطق أخرى تتصارع فيها مع دولٍ عربيّة تدفعها إلى تحسين علاقتها مع إسرائيل، ولا سيّما بعدما لاحظت وتابعت عمق علاقة الأخيرة بالإمارات العربيّة المتّحدة بعد توقيع الاثنتين اتفاقات تطبيع وإقامتهما علاقات تجاريّة واقتصاديّة وسلام. وهي كانت قد توتَّرت لأسباب معروفة لكنّها لم تنقطع. وقد عبَّر عن ذلك الرئيس أردوغان بقوله أخيراً في تصريح له إنّه سيُعزِّز العلاقات مع إسرائيل.

sarkis.naoum@annahar.com.lb