الرئيسية / home slide / تركيا… قصة إخضاع “إخواني” لـ”جيش علماني”

تركيا… قصة إخضاع “إخواني” لـ”جيش علماني”

 سركيس قصارجيان
16-09-2020 | 10:05
المصدر: “النهار العربي”

اردوغان وجنرالات في الجيش التركي

A+A-لعبت المؤسسة العسكرية التركية، منذ قيام الضابط العثماني السابق مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس الجمهورية التركية الحديثة الى ان تمكّن حزب “العدالة والتنمية”، من الحكم، دور السلطة الأعلى في البلاد ورقيب سياسات الحكومات المتعاقبة في الديبلوماسية والاقتصاد وحتى أدق التفاصيل الاجتماعية واليومية كالتربية والصحة وارتداء الحجاب وغيرها.
لكن الجيش التركي، الذي قام بـ 3 انقلابات مباشرة بين عامي 1960 و 1980 وآخر سمّي في التاريخ التركي بـ “الانقلاب ما بعد الحداثة” في 1997 عبر إجبار الحكومة الإسلامية بزعامة نجم الدين أربكان على الاستقالة ملوحاً بعصا الضربة العسكرية، وكلها بذريعة “تدخل الدين بشكل عميق في الحياة السياسية”، حوله رجب طيب أردوغان اليوم إلى جيش حزبي تابع لـ”العدالة والتنمية” الإسلامي بعد سلسلة من الضربات الناجحة التي قام بها “إخوان تركيا”.  صراع بين الجيش العلماني والحكومة الإسلامية
نجح حزب “العدالة والتنمية”، وريث حزب “الرفاه” الإسلامي مع وصوله إلى السلطة في إخضاع الجيش له وتحويله من مؤسسة عابرة للأحزاب وحتى رئاسة البلاد، إلى حامٍ للحزب الحاكم وأداة في تحقيق سياساته الداخلية وخصوصاً الخارجية المبنية على مزيج من العقائد الدينية والايديولوجيات القومية، مستنداً على شعار تصحيح العلاقة بين “المنتخبين” (السياسيين) و”المكلفين” (العسكريين).
فاز حزب “العدالة والتنمية” بانتخابات 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 بنسبة 34.28 في المئة من الأصوات ليحصل على 364 مقعداً في البرلمان التركي. وتسبب وصول الحزب الإسلامي إلى السلطة في قلق الجيش التركي بسبب المواقف والسلوكيات السابقة لمؤسسي الحزب. وانعكس هذا القلق في حينه في اجتماعات مجلس الأمن القومي وفي البيانات التي أدلى بها كبار القادة العسكريين. 
ومع انتخابات عام 2002، دخلت تركيا في حقبة جديدة. فقد منحت مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حزب “العدالة والتنمية” فرصة ذهبية للقضاء على الدور المهيمن للجيش على السياسة، واستبدال هذا النهج التقليدي بتوازن جديد. برز هذا التوازن من خلال تحويل الأمين العام للمجلس الأمن القومي الى مدني، وتصرف الحكومة بما يتفق مع وجهة نظرها أثناء حل مشكلة قبرص في إطار خطة كوفي أنان رغم معارضة القوات المسلحة التركية لذلك. 
اتسمت الأعوام الأولى لحكم “العدالة والتنمية” وتحديداً بين 2002-2006 بمواصلة الجيش التركي الضغط على الحكومة بشأن “القيم الدستورية” للجمهورية الحديثة مثل حماية العلمانية والوحدة، مع اعترافه بشرعية الحكومة وسلطتها في تحديد السياسة الخارجية والكلمة الفصل في القضايا الداخلية المثيرة للجدل.
ثم حدث التغيير، الذي أيقظ “العدالة والتنمية” وحثّه على اتخاذ خطوات سريعة في عملية الحاق الجيش بالحزب عندما عارض قائد الجيش عام 2007 السياسات الحكومة الإسلامية في القطاع التربوي علناً ببيان صحافي قاسٍ قام بنشره على موقع وزارة الدفاع على الإنترنت في 27 نيسان (أبريل)، لوح فيه “بإمكانية التدخل لمنع استغلال المشاعر الدينية الشعبية كأداة سياسية”، مذكراً بكون الحفاظ على المبادئ العلمانية للدولة التركية من أهم واجبات المؤسسة العسكرية.
تعامل الحزب مع التهديد بحذر شديد، آخذاً في الإعتبار تاريخ المؤسسة العسكرية التركية وباعها الطويل في القيام بالضربات العسكرية فانتهج سياسة “مهادنة” اعتمدت على تكرار قادته التزامهم بمبدأ العلمانية، في مقابل نهج تصعيدي من قبل رئيس الأركان العامة يشار بويوكانيت (2006-2008)، الذي اعتبر حكومة “العدالة والتنمية” غير مؤهلة لإجراء الانتخابات الرئاسية عام 2007.  

ومع الفشل في منع انتخاب عبدالله غول رئيساً للبلاد في 28 آب (أغسطس) 2007، حاولت قيادة الجيش، إظهار رد فعلها على الرئيس الجديد بطرق مختلفة. منها رفض رئيس الأركان حضور حفل التنصيب، وإرسال ضباط برتب صغيرة للدعوة الرئاسية، ورفضه حضور افتتاح المجلس الجديد خلافاً للتقاليد، والتصرف بطريقة لا تتوافق مع البروتوكول في الحفل الرسمي الأول الذي حضره غول عبر مخاطبته في كلمة رئاسة الأركان باستخدام تعبير “عزيزي الرئيس” بدلاً من “السيد الرئيس” المتبع.
انفجرت الأزمة بين الحزب الإسلامي والمؤسسة العسكرية في 30 كانون الثاني (يناير) 2008، عندما رفض رئيس الأركان بويوكانيت قرار حزبي “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية” اليمينيين إلغاء حظر ارتداء الحجاب في الجامعات. لكن الحزب الحاكم كان قد انتهى من مخطط “الضربة الأولى” للجيش التركي بالإشتراك مع منظمة فتح الله غولن الثري والمتغلغل في مفاصل الدولة التركية كافة ومنها المؤسستان العسكرية والأمنية وبخاصة الشرطة، فكانت اعتقالات 275 من الضباط رفيعي الرتب من الكماليين والقانونيين والصحافيين والكتاب والأكاديميين الموالين لهم ضمن ما عرف بقضية “ارغينيكون” بتهمة تشكيل منظمة ارهابية سرية وتنفيذ أعمال إرهابية بهدف الإطاحة بالحكومة التركية.
وفي عام 2010 ألحق الحزب الإسلامي “الضربة القاضية” بالجيش التركي من خلال قضية “باليوز” حيث تم اعتقال 325 شخصاً بتهمة التآمر لتنفيذ انقلاب عسكري بناء على مقال تم نشره في صحيفة “طرف”، أغلبهم من كبار العسكريين العاملين والمتقاعدين.  

وأتبع أردوغان “باليوز” بخطوات عملية غيرت من العلاقات المدنية – العسكرية. حيث أصبح مجلس الأمن القومي مؤسسة مدنية، وأصبح الإنفاق الأمني تحت السيطرة الفعلية للحكومة، وهي خطوة رمزية في إشارة إلى انتهاء حقبة السطوة العسكرية في البلاد وهو ما تجلى من خلال: تغيير ترتيب المقاعد في مجلس الأمن القومي التركي عام 2011، حينما أصدر أمراً بجلوس المدنيين والعسكريين معاً وبشكل مختلط خلال اجتماعاته، خلافاً للعرف المتبع حتى ذلك التاريخ، بجلوس العسكريين في جانب والمدنيين على الجانب الآخر. كما تضمن الأمر أيضاً جلوس رئيس الوزراء بمفرده، على رأس طاولة الاجتماع وليس مع رئيس الأركان كما كان متبعاً سابقاً. وترأس رئيس الجمهورية بحكم منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة احتفالات يوم النصر في 30 آب (أغسطس) بدلاً من رئيس الأركان العامة، وإزالة بيان 27 نيسان (أبريل) من الموقع الإلكتروني لهيئة الأركان العامة، وإلغاء مقرر الأمن القومي الذي كان يدرس في المدارس الثانوية وذلك في كانون الثاني (يناير) 2012.
مع التعديل الذي أُدخل على قانون الخدمة الداخلية للجيش التركي في تموز (يوليو) 2013، تم تغيير مصطلح الحماية – الحراسة في المادة 35 الخاصة بعلمانية الدولة، والذي شكل المستند القانوني للانقلابات العسكرية السابقة والتدخلات المختلفة.
حلفاء الأمس.. أعداء اليوم
نجح أردوغان في إقصاء الكماليين عن المؤسسة العسكرية، من خلال انتشار وتعاظم نفوذ ضباط فتح الله غولن في الجيش، وهو ما ينذر بخطر مستقبلي على مشروعه الطويل الأمد، فكان الصدام الأول بينه وبين حليفه الإسلامي السابق في كانون الاول (ديسمبر) 2013، فبدأت عمليات ملاحقة هؤلاء الضباط بالتزامن مع بدء إخلاء الموقوفين في قضية “أرغينيكون” في آذار (مارس) 2014. بحجة قيام منظمة غولن بتضليل الحكومة عبر تلفيق تهم باطلة في حقهم.
أما الضربة القاضة فكانت باتهام منظمة فتح الله غولن بمحاولة الإطاحة بالحكومة التركية بواسطة انقلاب عسكري، وما تبع ذلك الانقلاب، الذي تسميه المعارضة التركية “بالمدبّر”، من فصل ما يقارب 40 في المئة من جنرالات وأدميرالات الجيش التركي، وسجن الضباط المحسوبين على غولن. بعد صدمة 2016، منح الجيش الحكومة التركية مزيداً من السيطرة على ملفات من صميم اختصاصه كما هو الحال بالنسبة الى العمليات العسكرية في سوريا والعراق مثلاً، وهو ما زاد من شهية تركيا للقيام بعمليات عسكرية عابرة للحدود.  

اعتقالات طاولت ضباط الجيش بعد المحاولة الانقلابية عام 2016التغيير الجذري في بنية الجيش التركي
في الحقيقة تعتمد سياسة أردوغان اليوم على عدم تقليص ثقل الجيش، بل التدخل في السياسة بواسطة جيش تابع له، بعد التغيير الجذري الذي أحدثه في هيكلية الجنود المحترفين والمجندين الذين شكلوا جسد القوات المسلحة. ومع النظام العسكري الجديد الذي تم سنّه في صيف عام 2019، اكتمل هذا التحول بشكل كبير.
يتألف الجيش التركي اليوم من 200 الى 230 ألف جندي وصف ضابط يؤدون الخدمة الإلزامية مقابل 170 ألف جندي وصف ضابط وضابط محترف (متطوع أو متعاقد).
وبحسب معطيات وزارة الدفاع التركية، فقد قتل 125 عسكرياً أثناء خدمتهم في الجيش حتى 11 شباط (فبراير) 2019، من بينهم 10 مجندين إلزاميين فقط مقابل 17 ضابطاً وصف ضابط متطوع و98 جندياً متعاقداً، ما يشير إلى اعتماد أردوغان على مبدأ “الجيش المحترف” في العمليات العابرة للحدود للجيش التركي خدمة لأهداف “العثمانية الجديدة” أو “الوطن الأزرق” أو ايديولوجية “التفاحة الحمراء”، وذلك خشية من حدة رد الفعل الشعبي على مقتل الشبان الذين يؤدون الخدمة الإلزامية في بقع بعيدة، مقابل التعاطف الأقل من جانب الرأي العام لمقتل الجنود المتعاقدين، مستغلاً نسب البطالة المرتفعة في صفوف الشباب التركي الذي بات يرى في التطوع أو التعاقد مع الجيش الملاذ الأخير لكسب المعيشة.
ويمكن تفسير الشعارات الدينية التي ظهرت على لسان الجنود الأتراك في الفيديوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي من سوريا والكتابات على الصواريخ التي قام الجيش التركي باستهداف المواقع السورية والقوات الكردية بها، وتأدية جنود “تركيا العلمانية” للصلوات، والانسجام في التنسيق بين الجيش التركي والمجموعات الإسلامية المتطرفة المتواجدة في الشمال السوري، في ضوء هذا التغيير الجذري في بنية الجيش التركي.