“ترشيح جان عاقوري سفيراً لأميركا في لبنان: نفاق وابتذال

 

محمد العزير|الأحد28/05/2017

المدن

لا أصول ولا ضوابط في عهد ترامب

اجتاح شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية اللبنانية واللبنانية الأميركية في اليومين الماضيين، خبر تعيين الناشط الجمهوري اللبناني الأصل جان عاقوري سفيراً جديداً للولايات المتحدة الأميركية في لبنان، خلفاً للسفيرة الحالية اليزابيت ريتشارد التي تولت منصبها في بيروت قبل سنة بالضبط.

تتجلى في هذا الخبر المفاجئ، سواء في طريقة التعامل معه إعلامياً أو في ردود الفعل عليه شعبياً، حقيقتان معاصرتان في السلوك اللبناني العام، الذي يبدو أنه بلغ دركاً غير مسبوق من العبث والإرتجال والنفاق، الإسفاف الإعلامي والإبتذال النخبوي.

في الشق الإعلامي، الخبر غير صحيح. أي أن الجهات المختصة المتمثلة في وزارة الخارجية الأميركية ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، المخولة درس ملفات المرشحين إلى منصب سفير قبل التصويت عليها، لم تعلنا رسمياً أو تسريباً أي شيء يتعلق باقتراح أي أسماء للبعثة الدبلوماسية في لبنان.

وهناك عرف متبع منذ عقود في اختيار ديبلوماسي محترف من داخل السلك لسفارة بيروت، ولسفارات أميركا في الدول المضطربة أو ذات الأهمية الإقليمية أو ذات الأوضاع المعقدة التي تتطلب عناية موظف متمرس وخبير، على عكس الدول المستقرة أو الصغيرة، التي يكون السفير فيها من خارج الملاك، يعينه الرئيس كمكافأة على دعمه وتبرعاته لحملته الانتخابية، وتكون مهماته في معظمها بروتوكولية واجتماعية وثقافية.

مراجعة سريعة لتطورات الخبر تفيد بأن وكالة الأنباء المركزية في بيروت كانت أول من أشار إلى احتمال تعيين عاقوري سفيراً، ورددت مصادر إعلامية لبنانية أن الوكالة استندت في خبرها إلى لفتة من المستشار السابق في حملة دونالد ترامب الانتخابية، وصديق عاقوري، وليد فارس.

أطلق خبر المركزية سباقاً فورياً بين العديد من المواقع الإخبارية وتدحرج ككرة الثلج، فمن عنوان المركزية، التي جزمت أن السفيرة ريتشارد بدأت بحزم حقائبها، إلى حسم تعيين عاقوري سفيراً، تطور الخبر وتطورت معه السيرة الذاتية للرجل. وبلغ الأمر بأحد المواقع أن يعين عاقوري عضواً في مجلس النواب الفيدرالي ومنحه لقب أصغر أعضاء المجلس سناً، فيما الحقيقة أنه كان عضو مجلس بلدي في بلدة صغيرة في ميشيغن.

أما في الابتذال النخبوي، فلم يسمح رواد فايسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي من اللبنانيين والأميركيين من أصل لبناني للإعلام بالتفوق في البازار. فجأة اكتشف المئات، بل الآلاف من المقيمين في ميشيغن وولايات الجوار، أنهم أصدقاء مقربون لعاقوري الذي لايزال حتى الآن غائباً عن السمع، ويُعتقد أنه لايزال في حالة حداد على وفاة والدته قبل أسابيع عدة، وتحولت صفحته في فايسبوك إلى سوق عكاظ من المدائح والمباركات والإشادات، التي اختلط فيها الشخصي بالطائفي والتمني بالكيدي، وجرى نبش صور قديمة له أو معه لنشرها في المداخلات التي فاضت بها الصفحة، حتى أن البعض دبج القصائد وأورد أمثلة وحكم.

وبلغت ضراوة الحملة، التي تذكر لسبب ما، بموجة التهاني العاتية التي عمت تلفزيون لبنان (تلة الخياط) في آذار العام 1976 ترحيباً بالإنقلاب الشكلي الذي قام به العميد عزيز الأحدب، أن تلحظها كبرى الصحف في ولاية ميشيغن “ديترويت نيوز”، التي أوردت خبراً منسوباً إلى مصادر باللغة العربية عن ترشيحه للمنصب من دون سند رسمي، مرفقاً بإشادة مسؤولين محليين من الولاية بمناقبيته.

لا أصول ولا ضوابط في عهد ترامب، الذي أكد في انتخابه أن كل شيء وارد، وقد يكون اسم عاقوري الذي تولى مسؤولية إدارية في حملة ترامب في ميشيغن مطروحاً لتولي منصب عام، أو أن بعض معارفه في الولاية يزكّون اسمه، خصوصاً أنه معروف بنشاطه السياسي اليميني، وعضويته لفريق العمل من أجل لبنان “تاسك فورس”، إلاّ أن المعالجة الإعلامية والنخبوية اللبنانية لخبر لا أساس له ولا مصدر (حتى الآن) تستحق أكثر من وقفة، لأنها تعبر فعلاً عن ذهنية لا تبشر بالخير لا للبنان المقيم ولا للبنان المغترب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*