الرئيسية / home slide / ترسيم الحدود البريّة والبحريّة أُنجز والإعلان قريباً

ترسيم الحدود البريّة والبحريّة أُنجز والإعلان قريباً

قبل أسابيع قليلة نشر زميلنا في “النهار” رضوان عقيل نقلاً عن عين التينة وسيّدها الرئيس نبيه برّي “إنّنا قطعنا 50 في المئة من الطريق الموصلة إلى اتفاق على ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل”. وعندما زار السفير الأميركي الأسبق في لبنان وصاحب الموقع الثالث في وزارة الخارجيّة الأميركية حالياً ديفيد هيل بيروت بعد التفجير – المجزرة الذي أوقع نحو 200 قتيل و6 إلى 7 آلاف جريح ودمّر مئات المساكن كليّاً والآلاف منها جزئيّاً، سُئل بعد زيارته الرئيس برّي الذي يتولّى التفاوض غير المباشر على هذا الموضوع مع واشنطن الوسيطة بتكليف من لبنان الرسمي والواقعي في آن، إذا كان الترسيم جزءاً من محادثاته معه، فأجاب كلّا. لكنّه أضاف إن مساعد وزير الخارجيّة لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شنكر سيزور لبنان بعد مدّة قصيرة، وربّما يتناول موضوع الترسيم مع برّي إذا كان حقّق البحث فيه أيّ تقدّم. وفعلاً زار شنكر بيروت الأسبوع الماضي وتحديداً في الرابع من أيلول الجاري بعد مغادرة رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون لها عائداً إلى باريس. لكنّ المفاجأة كانت إعلانه فور وصوله أنّه باستثناء النوّاب المُستقيلين الثمانية لن يلتقي أحداً في السلطة وتحديداً من “رؤساء الدولة” أي ميشال عون ونبيه برّي وحسّان دياب المستقيل ومصطفى أديب المُكلّف والوزير جبران باسيل. لكنّه سيجتمع إلى قادة عدد من المجموعات المُشاركة في “الثورة” التي بدأت في 17 تشرين الأوّل الماضي، والتي لم تنطفئ شُعلتها رغم “الكورونا” المستمرّة ثمّ مجزرة بيروت ومرفأها، كما رغم انقسامات القائمين بها وعجزهم عن توحيدها. كما عن التخلُّص من “الانفصام” الذي يعيشونه ومعهم شعب لبنان الذي كان السبب الأبرز لتعثُّر ثورتهم. فالفقر والجوع والفساد وغياب دولة المواطنة والحوكمة الرشيدة وانهيار العملة الوطنيّة و… فذلك كلُّه وحَّدهم. لكنّ انتماءاتهم الطائفيّة والمذهبيّة والمصلحيّة وخوفهم من بعضهم بسببها وارتباطهم مصلحيّاً بقادتهم المُزمنين وورثتهم عزّزت انقسامهم. فلم ينجحوا في تحقيق أهدافهم الوطنيّة لكنّهم استمرّوا وإن مُنقسمين لأنّ هؤلاء القادة، رغم شراكتهم العمليّة غير الرسميّة مع بعضهم، لم يستطيعوا أن يُغيِّروا “جلدهم” وأفكارهم، فتمسَّكوا بمكاسبهم وتابعوا بإصرار إستعمال المخاوف المُتبادلة بين المذاهب والطوائف ومعهما الحقد للمحافظة على مواقعهم ونفوذهم. وقد نجحوا في ذلك حتّى الآن. نفّذ شنكر برنامجه فور وصوله إلى بيروت، ولم يأتِ على ذكر قضيّة ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل كما لم يلتقِ برّي. تسبَّب ذلك بشيء من الإحباط، إذ خشي اللبنانيّون أن يكون المسعى الأميركي حلّ هذه القضيّة فشل في تحقيق النجاح المطلوب حتّى الآن على الأقل، وتالياً أن يتسبَّب ذلك بزيادة احتمالات الاشتباك بين “حزب الله” وإسرائيل، كما بزيادة صعوبات لبنان وشعوبه.

ما هي قصّة قطع لبنان وإسرائيل 50 في المئة من الطريق إلى حل مشكلة الترسيم؟

تُفيد معلومات مُتابعين جديّين لهذا الموضوع من داخل لبنان وخارجه كما للعاملين على حلِّه وفي مُقدّمهم الرئيس برّي أن زيارة شنكر تناولته بالبحث بعيداً من الإعلام ولكن ليس مع برّي مباشرة بل مع أحد كبار مُساعديه. لكن الأسئلة التي تُطرح هنا هي: ماذا نقل شنكر إلى رئيس مجلس النوّاب؟ وهل الـ50 في المئة من الاتفاق زادت أم نَقُصت؟ وهل من موعد معروف لانتهاء المفاوضات باتفاق على الترسيم؟ ومتى يعود المسار التفاوضي المحدود وغير المباشر هذا إلى التحرُّك؟ وما هو موعد إعلان ولادة الاتفاق أو العودة إلى نقطة الصفر؟ وما هي عواقب هذه العودة؟

يُجيب المُتابعون الجديّون أنفسهم لهذا الموضوع أن الأسئلة المطروحة وجيهة وفي محلّها. لكنّهم يؤكِّدون أنّ هناك جواباً واضحاً ومحدّداً على واحد من هذه الأسئلة لا بُدّ أن يُفاجئ اللبنانيّين على تناقض شعوبهم وربّما عددٍ كبير من السياسيّين غير المُطّلعين على “الأسرار”، ربّما خوفاً من التسريب الذي يُعرقل ويُعيد كل شيء إلى نقطة الصفر. الجواب هو أنّ الاتفاق التقني على ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل أُنجز في التاسع من شهر تموّز الماضي، وهو يشمل أيضاً الحدود البريّة بين الدولتين. وهو الآن على طاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لاتخاذ القرار السياسي فيه ثمّ إعلان الموافقة عليه. وهو أيضاً على طاولة لبنان المُتنوّع الحُكّام بل الرؤساء الذين ينتظرون الموقف الإسرائيلي كي يتولّوا وبواسطة الوسيط الأميركي إعلان التوصُّل إلى الاتفاق وفي موعد واحد بين الدولتين والتفاهم على ترتيبات توقيعه وشكليّاتها وتفاصيلها. وفي هذه الحال سيقوم لبنان وعِبْرَ التفاوض بواسطة واشنطن مع الرئيس برّي بتسليم الاتفاق إلى قيادة الجيش اللبناني كي تُشرف على تنفيذه. وطبيعي أن تكون الأمم المتحدة، وعلى الأرجح عبر قوّاتها المُرابطة في الجنوب اللبناني من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701، مشاركة في تنفيذ الاتفاق لأنّ لبنان لن يجلس مع اسرائيل من أجل هذا الموضوع وربّما غيره إلّا تحت علمها. وإذا كان أحدٌ من طرفيه لبنان وإسرائيل لم يعُد عن موافقته عبر تقديم اقتراحات جديدة تعديليّة له يُصبح تنفيذه ممكناً. وهنا يطرح الرئيس نبيه برّي على نفسه سؤالاً، بحسب المُتابعين أنفسهم هو: لماذا يتأخّر إعلان اسرائيل قبول الاتفاق رغم إنجازه؟ لكنّه لم يجد جواباً رسميّاً شافياً عنه حتّى الآن سواء من أميركا أو من إسرائيل عبرها. غير أنّ التقديرات تُشير إلى انشغال لبنان بتأليف حكومة جديدة قد يكون أحد الأسباب، كما تُشير إلى أن الرئيس ترامب ربّما يريد توظيف هذا الإنجاز في السياسة الخارجيّة الأميركيّة من أجل تعزيز فرص فوزه بولاية رئاسيّة ثانية في انتخابات 3 تشرين الثاني المقبل. تماماً مثلما فعل ولا يزال يفعل مع اتفاق التطبيع بين اسرائيل ودولة الإمارات العربيّة المتحدة الذي وُقّع قبل مدّة قصيرة. ويعني ذلك أن اعلان الاتفاق من عواصم لبنان واسرائيل وأميركا لم يعُد بعيداً لأن توظيفه يحتاج المدّة القصيرة التي تفصل ترامب عن موعد انتخاباته. في هذا المجال لا بُد من الإشارة إلى أن محاولة جرت قبل مدّة من سيّد قصر بعبدا الرئيس عون لتولّي الإشراف على ملف ترسيم الحدودين البريّة والبحريّة بدلاً من برّي. لكنّ الأخير لم يتجاوب لأن واشنطن تُدرك أن ذلك سيُعطِّل ما أنُجز حتّى الآن. فسيّد قصر بعبدا قال أن لديه ما يُثبت أن حصّة لبنان من المياه تبلغ نحو 1700 كيلومتر مربّع ويعني ذلك أنّه يريد أن يقتطع ليس ما يعتبره مساحة للبنان ولكن مساحة أكبر بكثير تصل إلى وسط البُقعة التي تستخرج منها اسرائيل النفط الآن وهي المُجاورة للبلوك رقم 9 علماً أنّ المساحة “المائيّة” التي نجح برّي في زيادتها على ما توصَّل إليه فريدريك هوف في السابق تُقدَّر بنحو 850 كيلومتراً مربّعاً.