ترامب يُلقي “قنبلة ديبلوماسيّة” في بريطانيا… تكرار خطأ أوباما؟

جورج عيسى
النهار
13072018

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وزوجها فيليب يستضيفان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزوجته ميلانيا في قصر بلاينهايم ، غرب لندن – “أ ب”

بعد قمّة مثيرة للجدل في #بروكسيل، خصوصاً في يومها الأوّل، توجّه الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب إلى بريطانيا التي استقبلته وسط ظروف صعبة، بعد استقالة ثلاثة وزراء بسبب خلافات مع رئيسة الوزراء تيريزا ماي حول مفاوضات “البركزيت”. كان من المفترض ألّا تحمل هذه الزيارة تصريحات أميركيّة قاسية كتلك التي شهدتها قمّة حلف شمال الأطلسي، نظراً إلى العلاقات الإيجابيّة التي تربط البيت الأبيض ب “10 داونينغ ستريت” مقرّ رئاسة الوزراء البريطانيّة.

فقد كانت تيريزا ماي أوّل مسؤول سياسيّ يزور #واشنطن بعد فوز ترامب بالانتخابات الرئاسيّة في خطوة لافتة للنظر أبرزت استقلالاً بريطانيّاً عن الموقف الأوروبّيّ المشكّك بتطلّعات ترامب. لكنّ التوقعات خابت مجدّداً بعد المقابلة التي أجراها مع صحيفة “ذا صن” البريطانيّة والتي وصفتها “الغارديان” ب “القنبلة الديبلوماسيّة” أمّا صحيفة “ميرور” فكتبت أنّها “ضربة ساحقة” لماي.

دعم لصقور البركزيت

أتت جولة ترامب بعد استقالة ثلاثة وزراء من بينهم وزير شؤون البركزيت دايفد دايفس ووزير الخارجيّة بوريس جونسون الذي كان من المدافعين عن تمتين العلاقة مع الولايات المتّحدة بقيادة ترامب. جونسون، مؤيّد بارز لخروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبّي، تلقّى إشادة من الرئيس الأميركي الذي أعلن قبل مغادرته الولايات المتّحدة أنّ “بوريس جونسون صديق لي وقد كان لطيفاً معي للغاية، ومسانداً للغاية …”. بالفعل، أعلن جونسون مراراً أهمّيّة تعزيز التحالف بين البلدين، فكتب مثلاً مقالاً في صحيفة “ذا دايلي تيليغراف” البريطانيّة في كانون الثاني الماضي ينتقد فيه بشدّة رؤية حزب العمّال السلبيّة تجاه واشنطن وقد عرض من خلاله تعدّد المصالح المشتركة بين البلدين.”

خلال حملته الانتخابيّة توقّع ترامب أنّه سيكون “سيّد بركزيت”، لكنّه لم يكتفِ بذلك إذ قال أيضاً حين استقبل ماي في كانون الثاني 2017، إنّه تمكّن من توقّع مسار الاستفتاء: “أعتقد أنّ البركزيت سيكون أمراً رائعاً لبلدكم … ستحصلون على هويّتكم الخاصّة. ستستقبلون الناس الذين تريدونهم في بلدكم وستتمكّنون من عقد اتفاقات تجارة حرّة من دون أن يكون هنالك من يراقبكم ويراقب ما تفعلونه”. في ذلك الوقت كان الترابط بين نتيجتي الاستفتاء على البركزيت (حزيران 2016) والانتخابات الأميركيّة (تشرين الثاني 2016) عند أعلى مستوياته مظهراً تصاعد موجة “الشعبويّة” حول العالم.

ضغوط داخليّة وخارجيّة

لكنّ مفاعيل البركزيت بدأت تتحجّم مع إصرار ماي على تليين الموقف البريطانيّ إزاء العلاقة مع الاتّحاد الأوروبي. فبعد اجتماع استمرّ حوالي 12 ساعة الجمعة الماضي في قصر تشيكرز الريفي، توافق المجتمعون على إنشاء “كتيّب قواعد مشتركة لتجارة البضائع” بين الاتّحاد وبريطانيا وإنشاء “هيكل مؤسّساتي مشترك” لتفسير الاتفاقات بين الطرفين إضافة إلى “منطقة جمركيّة مشتركة”. على الرغم من محاولة ماي إيجاد رؤية وسطيّة بين أصحاب الرؤى المتناقضة حول عمق العلاقة مع أوروبا بعد البركزيت، وجد دايفس وجونسون أنّ مقترح تشيكرز لا يحافظ على استقلال البلاد كما يضعف موقف بريطانيا التفاوضيّ مع الاتّحاد بحسب وجهتي نظرهما.

ماي وترامب أمام قصر بلاينهايم – “أ ب”

وانتقد ترامب نفسه المقترح البريطانيّ خلال حديثه لـ”الصن” قائلاً إنّ خطّة ماي “قد تقتل على الأرجح” اتفاقاً تجاريّاً محتملاً مع الولايات المتّحدة التي ستكون عندها في موقع من يعقد الاتّفاق مع الاتّحاد الأوروبي لا مع بريطانيا، كما أوضح. وتابع قائلاً: “أخبرتُ تيريزا ماي كيف تقوم بذلك (التفاوض مع الاتّحاد) لكنّها لم توافق، لم تصغِ إليّ. لقد أرادت سلوك طريق آخر. سأقول في الواقع إنّها على الأرجح سلكت الطريق المعاكس”. كما أشاد مرّة أخرى بجونسون معتقداً بأنّه سيكون “رئيس وزراء عظيماً”.

نظرة مشتركة إلى ميركل وماي؟

وقْعُ هذه المقابلة لم يكن سارّاً على ماي بما أنّها تواجه معارضة متنامية على أدائها في المفاوضات، في وقت لا تقتصر هذه المعارضة على حزب العمّال إنّما تطال أيضاً نوّاباً من حزب المحافظين، إضافة إلى المتشدّدين في مسألة البركزيت من المطالبين بالحفاظ على الاستقلاليّة التامّة تجاه المؤسّسات الأوروبّيّة في الفترة المقبلة.

لقد استخدم المقرّبون من الرئيس الأميركيّ عبارة “العلاقات المميّزة” مع بريطانيا حوالي عشر مرّات خلال الأسبوع الماضي والتي كان رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرشل أوّل من استخدمها سنة 1946. لكنّ المقابلة مع “ذا صن” لم تأتِ على مقدار تميّز هذه العلاقات، علماً أنّ ما قاله ترامب لم يكن القصد من ورائه بالضرورة فرض ضغط على ماي، إذ في مستهلّ لقائه معها في تشيكرز، أكّد أنّ العلاقة “متنية جدّاً” بين البلدين وأن لا مانع في ما تفعله رئيسة الوزراء. ويستدعي موقفه أيضاً تساؤلاً حول عدم انتباهه إلى أنّه قد انتقد خلال ساعات ولو من دون قصد، ميركل وماي الضعيفتين داخل السلطة في دولتيهما. لكن دايفد سميث يرى في “الغارديان” أنّ ترامب مدرك تماماً لهذا الأمر وأنّ “سجلّه الماضي يوحي بأنّه يحتقر الضعف”. وأضاف سميث بأنّ ترامب بالمقابل أبدى تقديراً لديكتاتوريّين مثل الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين والفيليبيني رودريغو دوتيرتي والزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون.

تكرار الخطأ

لقد ضاعف ترامب الانقسام السياسيّ داخل بريطانيا التي تمرّ في ظروف داخليّة وخارجيّة صعبة تفرض مزيداً من الضغوط على ماي. وتذكّر شبكة “سي أن أن” بأنّ الرئيس السابق باراك أوباما تعرّض لموجة انتقادات واسعة حين عبّر عن رأيه المعارض للتصويت لصالح بركزيت، وهو أمر رآه البريطانيّون على أنّه تعاطٍ في الشؤون الداخلية للبلاد. وبالنسبة إليهم، قد لا تكون تصريحات ترامب اليوم مختلفة كثيراً عن تلك التي أطلقها أوباما منذ سنتين…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*