الرئيسية / home slide / تراجيديا الجغرافيا الشائكة والتاريخ المثقل بالجثث… غسان شربل يزور “جروح العراق” في كتاب

تراجيديا الجغرافيا الشائكة والتاريخ المثقل بالجثث… غسان شربل يزور “جروح العراق” في كتاب

08-04-2021 | 00:00 المصدر: النهارسلمان زين الدين

غلاف الكتاب.

كثيرًا ما قام الصحافي والكاتب #غسان شربل بزيارة الجروح في العالم العربي، يحاول نكأها أو تضميدها بالحفر في ذاكرة الشهود عليها أم المتسبّبين بها أو المتضرّرين منها. أداته في الحفر أسئلة يطرحها ويستخرج بها المطمور تحت تراب الزمان. ويعود من زياراته بكتب/ وثائق تشهد على لحظات تاريخية حرجة، في هذه الدولة أو تلك. وقد شملت زياراته، حتى الآن، لبنان، فلسطين، العراق، وليبيا. وها هو يزور جروح العراق مرّة ثانية، ويعود ب#كتاب “زيارات لجروح العراق” الصادر عن “دار رياض الريّس للكتب والنشر”، بعد زيارة أولى تمخّضت عن كتابه “صدّام مرّ من هنا”، الصادر عن الدار نفسها.  جروح العراق هي: جروح صدّام حسين، جروح الغزو الأميركي، جروح الاقتتال المذهبي، جروح “داعش”، وجروح الفساد، كما يرد في مقدّمة الكتاب. وهي “جروح التاريخ المثقل بجثث الحكام والمحكومين. وجروح الجغرافيا الشائكة التي جعلت العراق الحلقة الأصغر والأضعف في المثلّث الذي يضمّه مع إيران وتركيا”، كما يرد في الغلاف الأخير. بين المقدّمة والغلاف، يحفر شربل في ذاكرة ثماني شخصيات عراقية لعبت أدوارًا معيّنة في تاريخ العراق، سواءٌ من موقع الحكم أو المعارضة أو من الموقعَين معًا. وكانت لها بصماتها في هذا التاريخ. وهو يفعل ذلك، من خلال تسع مقابلات مع ثماني شخصيات عراقية، أجراها بين العامين 2007 و2015.

 فن المقابلة

في الشكل، أسمح لنفسي بالكلام على فن كتابي جديد هو فن المقابلة الذي بدأ مع تأسيس الصحف والمجلات. وهو يتمّ بين طرفين غير متكافئين عادةً. ويقوم على طرح الأسئلة من السائل (المقابِل) والإجابة عنها من المجيب (المقابَل). ويختلف عن فن الحوار في أنّ الأخير يتمّ فيه تبادل الرأي بين طرفين غالبًا ما يكونان متكافئين. على أنّ جمع المقابلات في كتب، ظاهرة كتابية حديثة العهد، ازدهرت في الآونة الأخيرة، من زاويتين اثنتين؛ زاوية الصحافي الذي يريد الإضاءة على لحظات تاريخية حرجة بمقابلة شخصيات، شاركت في صنعها أو كانت صنائع لها. وزاوية الشخصية التي تريد أن تشهد على عصرها وتدوّن سيرتها الذاتية، فتختار فن المقابلة للإدلاء بما تريد، وغالبًا ما يتم ذلك من خلال أسئلة مبرمجة مسبقًا. 

الأسئلة والأجوبة

في الأسئلة المطروحة، وفي الشكل أيضًا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أسئلة غسان شربل ليست مجانية، بل هي هادفة وموجّهة بهدف إماطة اللثام عمّا تخبّئه الشخصية. وهي أسئلة وظيفية، مستندة إلى تجربة صحافية كبيرة، و#ثقافة سياسية واسعة. تنطلق من وقائع تاريخية أو فضول معرفي. تجمع بين الخاص والعام. وقد ينطوي السؤال على نقد ضمني لمسؤول، أو تشكيك في جواب، أو تعليقٍ على آخر، أو التأكّد من واقعة، مع المحافظة على أدبيات المقابلة، في الوقت نفسه. وقد يقتصر على كلمتين اثنتين أو يمتدّ على سطرٍ وبعض السطر. لا نقع في الكتاب على السؤال المداخلة ممّا يتعلّق بفنّ الحوار أكثر من تعلّقه بفنّ المقابلة. في الأجوبة المقدَّمة، وفي الشكل أيضًا، نقع في الكتاب على أجوبة قصيرة ومتوسّطة وطويلة. يترواح طول الجواب الواحد بين كلمة واحدة، في الحدّ الأدنى، وبضع صفحات، في الحدّ الأقصى. على أنّ معظم الأجوبة متوسّطة الطول تتموضع بين هذين الحدّين. وقد ينطوي الجواب على معلومة أو أكثر، أو يجنح نحو التحليل السياسي، أو يبوح بسر دفين، أو يشتمل على طرفة معيّنة، ما يجعلنا إزاء تنوّع شكلي واضح. 

تنوّع الضيوف

في المضمون، يخيّم طيف صدام حسين على مقابلات الكتاب، ويمكن تصنيف الشخصيات إلى سابقة له، ومتزامنة معه، ولاحقة به. كأن الكاتب، من حيث يقصد أو لا يقصد، يضيء المقدّمات التي مهّدت لحضوره على المسرح العراقي، والوقائع التي أفرزها هذا الحضور، والنتائج المترتّبة على غيابه، ليؤكّد للقارئ أنّ “صدّام مرّ من هنا”. على أنّ ترتيب المقابلات في الكتاب يتشكّل في اتجاه معاكس لهذا الترتيب، فيبدأ ببعض الشخصيات التي مارست السلطة بعد سقوط صدام، ويمرّ بأخرى زامنته، وينتهي بأخرى سابقة له. والشخصيات المقابَلة تنتمي إلى مختلف المكوّنات العراقية، القومية والطائفية. وتختلف المواقع السلطوية التي شغلتها، في الدّرجة والنوع؛ فنجد بينها رئيس الجمهورية (جلال الطالباني)، ورئيس الوزراء (نوري المالكي وحيدر العبادي)، والوزير (هوشيار زيباري وحامد الجبوري وابراهيم عبد الرحمن الداود)، والضابط (عبد الغني الراوي)، ورئيس الحزب (عزيز محمد). على أنّ طول المقابلة يختلف من شخصية إلى أخرى، وهنا نعود إلى الشكل، ففي حين يُخصّص الكاتب مقابلة لكلّ شخصية، نراه يُفرد مقابلتين اثنتين لجلال الطالباني تشغلان أكثر من ربع الكتاب، ويترك للشخصيات السبع الأخرى الأرباع الثلاثة المتبقية.   تتناول الأسئلة المطروحة في الكتاب: ذكريات الشخصية، مشاهداتها، علاقاتها، تطلّعاتها، ودورها في مجرى الأحداث. وتتمخّض الأجوبة عن “شهادات تعكس قسوة المخاض العراقي” على المستوى العام، وعن ملامح من “بروفايل” الشخصية، على المستوى الخاص. فيطالعنا، على المستوى الأوّل: إصابة العراق بلعنة الجغرافيا التي جعلت منه الحلقة الأضعف في  المثلّث الذي يضمّه مع إيران وتركيا. مأساة المكوّن الكردي في خضوعه للتجاذبات بين زوايا المثلّث الثلاث. توزّع المكوّن الشيعي بين وطنيّته العراقية القوية وانتمائه المذهبي الذي يتقاطع فيه مع إيران. إحساس المكوّن السنّي بالخسارة وتطلّعه إلى استعادة دورٍ مفقود. تطالعنا، على المستوى الثاني، حكمة جلال الطالباني ووسطيّته وصواب رؤيته. ديبلوماسية هوشيار زيباري وحسن تخلّصه وانفتاحه على الأشقاء العرب. انقسام العراقيين في نوري المالكي بين مؤيّد ومعارض. تطلّع حيدر العبادي إلى استعادة العراق علاقاته العربية، ورفضه أن يظلَّ ساحة للصراع الأميركي الإيراني. سعة اطّلاع حامد الجبوري على كواليس البعث قبل استيلائه على السلطة في 17 تموز 1968، على سبيل المثل لا الحصر.  

اقوال وأفعال

إذا كان المقام لا يتّسع لذكر الكثير من المعلومات والوقائع والذكريات التي يزخر بها الكتاب، فإن ذكر بعضها القليل، من قولٍ أو فعل، قد يغني عن الكثير، ويشي بمادّته المتنوّعة، ويشكّل علامات فارقة فيه. في هذا السياق، ينقل هوشيار زيباري عن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، في معرض تحذيره السلطة الجديدة من الأميركيّين، قوله: “ليس لهم دين ولا ربّ، ولا أمان معهم ويبيعون أصدقاءهم بسهولة، زي الميّة” (ص 135). وينقل حامد الجبوري عن الملك الحسن الثاني، في معرض كلامه عن هيبة صدام حسين، قوله: “بصراحة إذا حضر صدام نبدو وكأن على رؤوسنا الطير” (ص 230). وينسب إلى العاهل الأردني السابق الملك حسين إطلاق أوّل قذيفة من مدفع دبابة في الحرب العراقية الإيرانية (ص 251). وينقل عن الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر، بعد شجارٍ عنيف مع نائبه صدام، قوله: “أبول على هذه الكرسي، كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس” (ص 240). وينسب إلى الرئيس الليبي السابق العقيد معمّر القذافي الذي تعمّد التأخّر عن الجلسة الافتتاحية للقمة العربية في بغداد، في محاولة منه لجذب الأضواء، قوله: “ذهبت لأزور جدّي الإمام موسى الكاظم” (ص 230). هذا غيضٌ من فيض الأقوال والأفعال التي يوردها غسان شربل في “زياراته”. وهي، إن دلّت على شيء، فإنّما تدلّ على غنى الكتاب بالمعلومات والوقائع والمواقف الطريفة التي تشكّل شهادة على التراجيديا العراقية التي لمّا تضع أوزارها بعد. وهي مادّة أوّلية لا غنى عنها للمؤرّخ المحترف. وهي مصدر للفائدة والمتعة يجدر بالقارئ ارتياده.    الكلمات الدالةغسان شربلكتابثقافة