الرئيسية / مقالات / تذكير رائع من فرنسا لأردوغان: هكذا تكون الانتخابات غير مزوّرة

تذكير رائع من فرنسا لأردوغان: هكذا تكون الانتخابات غير مزوّرة

أولا: سيلاحظ الرئيس رجب طيِّب أردوغان وقيادة حزبه “العدالة والتنمية” دون شك أن أحدا لم يعترض في فرنسا على دقة آلية العملية الانتخابية. لا على عملية الاقتراع ولا على فرز النتائج. إذن ثقة كاملة من كل الطبقة السياسية والمجتمع الفرنسي بدقة آلية العملية الانتخابية. إذن هذا هو الفارق الأول عن ما جرى في “الاستفتاء” الأخير في تركيا. في تركيا جرى اللعب المشبوه بعد فتح صناديق الاقتراع بمسألة الأوراق غير الموقعة فأعلنت هيئة إدارة الانتخابات أنها ستقبل باحتساب ملايين الأصوات الموضوعة على أوراق غير ممهورة بتوقيع الهيئة الانتخابية مما عنى مباشرة قبول بين مليونين وثلاثة ملايين صوت (مشكوكٍ فيها بأقل تقدير) من دونها كانت النتيجة ستنقلب مباشرة لصالح “اللا” ضد “نعم” أردوغان وبنسبة مقدّرة بـ52 بالماية لـ”لا” ضد 48 بالماية لـ”نعم”. هذا مهما جرى تلطيف التعابير حوله يبدو أنه كان يخفي عملية تزوير مباشرة لأن القرار كان عدم السماح بهزيمة أردوغان بأي ثمن.

ثانيا: تصوّر عزيزي القارئ لو أن الانتخابات الفرنسية كانت تجري بينما هناك ألف صحافي فرنسي بين معتقل ومحال إلى المحاكم! مستحيل أن يحصل ذلك في فرنسا أو بلد غربي بينما كان هذا حاصلا ولا زال في تركيا خلال “الاستفتاء”. وبكل وقاحة يجرؤ “حزب العدالة والتنمية” على اعتبار الاستفتاء معبّرا عن “إرادة الشعب”.

ثالثا: تصوّر لو أن الانتخابات الفرنسية كانت تحصل في ظل اعتقال عشرات ألوف القضاة والضباط والأكاديميين المصروفين من أعمالهم بتهم عشوائية. هذا مستحيل أن يحصل في فرنسا أو أي بلد غربي منذ عقود بينما في تركيا هو الحقيقة السياسية والأمنية الكبرى المستمرة حيث جرى “الاستفتاء” في جو إرهابي لحرية التعبير. ناهيك عن إقفال أو مصادرة (بما فيها مصادرة الملكية) لصحف وقنوات تلفزيونية معارضة.

ثالثا: تصوّر لو أن الانتخابات في فرنسا أو أي بلد ديموقراطي غربي كانت تجري في ظل اعتقال رئيس أحد أكبر الأحزاب الفرنسية وغيره من السياسيين. هذا مستحيل تصوره في فرنسا بينما في تركيا كان رئيس الحزب الثالث في البرلمان أي الذي لديه الكتلة النيابية الثالثة عدديا، حزب الشعوب الديموقراطي، معتقلاً بينما كان “الاستفتاء” يجري. ولا زال معتقلا مع نائبه.

لقد مات النموذج التركي قبل أن يستقر. العالم كله يعرف ذلك. حتى لو اتصل الرئيس دونالد ترامب، وهو كما نعلم “أيقونة ديموقراطية!” بالرئيس أردوغان مهنئا إياه على نتيجة “الاستفتاء”. طبعا بالمقابل لا أهمية للتهاني الآتية من العالم الثالث ولاسيما المسلم الذي انضمت إليه تركيا أردوغان بكل المعاني السيئة وحرمتنا من النموذج الوحيد لاحتمال علاقة ناجحة بين الإسلام والحداثة.

هذه لحظة تعازي فعلية لا لحظة تهاني. تعازي مئات وألوف النخب في العالم العربي التي بدأت تراهن في العقدين الأخيرين على النموذج التركي وخذلها “حزب العدالة والتنمية” بقيادة رجب طيِّب أردوغان… تعازيها إلى نخبة النخبة الفكرية والثقافية والإعلامية الليبرالية التركية التي باتت إما معزولةً في تركيا أو هائمةً في نوع من المنفى الاختياري في أوروبا وأميركا وبعضها هارب بالمعنى الحرفي من الاعتقال والمحاكمة.

آخر الاستطلاعات، وبعضها يُنشر داخل تركيا، أوردتها صحيفة “حريات” ونشرنا ذلك الخميس المنصرم على هذه الصفحة. فقد “أفادت أن جميع الخرّيجين من كبريات المدارس الثانوية التي تعتمد اللغة الإنكليزية في تركيا، تقدّموا بطلبات للإلتحاق بجامعات في الخارج العام الماضي، مع العلم بأن بعض خرّيجي الأعوام السابقة فضّلوا متابعة تحصيلهم العلمي في البلاد”.

وأضافت: “هذه النزعة رائجة حتى في أوساط الأثرياء في البلاد. فقد هاجر 82 ألف شخص من أصحاب الملايين إلى بلدان أكثر وفرة خلال عام 2016، مع الإشارة إلى أن تركيا تأتي في قائمة البلدان الخمسة التي شهدت التدفق الأكبر لرعاياها الأثرياء نحو الخارج، بحسب استطلاع أجرته شركة “نيو وورلد ويلث”. وبين هذه البلدان الخمسة، عرفت تركيا الزيادة الأكبر في أعداد المهاجرين الأثرياء العام الماضي بالمقارنة مع العام 2015. ففي حين غادر نحو ألف مليونير البلاد عام 2015، ارتفع هذا الرقم إلى ستة آلاف عام 2016، أي زيادة بنسبة 500 في المئة في غضون عامٍ واحد”.

هذه هي تركيا أردوغان اليوم. والآتي طبعاً أعظم. فقد بتنا نعرف كيف تتدهور الطاقات الخلاقة في الدول. رحم الله تركيا.

بالمناسبة التشابه الوحيد البارز بين فرنسا وتركيا أمس الأول كان تصويت باريس واسطنبول، ضد الشوفينية والتعصب ومع الخيار الأوروبي.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد