الرئيسية / مقالات / تخبّط الوعد بـ«سياسة خارجية مستقلة» للبنان

تخبّط الوعد بـ«سياسة خارجية مستقلة» للبنان

وسام سعادة
القدس العربي

Feb-202017

فور انتخابه رئيساً للجمهورية تلى العماد ميشال عون خطاب قسم، جمع بين الاقتضاب فيما عنى «المقاومة»، بمفهوم «حزب الله» لها، مكتفياً بصيغة «لن نألو جهداً ولن نوفر مقاومة»، وبين «الاستطراد» فيما يتعلق بالمحاربة الاستباقية الردعية للإرهاب، الأمر الذي حمل تطابقاً مع الأسلوب الذي يسوّغ «حزب الله» لحربه «الاستباقية» العابرة للحدود (الدائمة؟) في سوريا، إلى جانب قوات النظام.
في الوقت نفسه حمل خطاب قسم عون الوعد بانتهاج سياسة خارجية مستقلة للبنان، وشكّل هذا الوعد بالذات «اللحظة السيادية» في هذا الخطاب، أو تذكاراً لـ»العونية القديمة»، عونية ما قبل توقيع التفاهم مع «حزب الله». خلق خطاب القسم هذا، وشعور شريحة واسعة من المسيحيين بالاقتدار، ولو الاعتباري، فور انتخاب الجنرال، حساسية لدى بعض المحسوبين سياسياً وإعلامياً على مناخ «حزب الله»، كما أوجد تفاؤلاً متسرّعاً لدى أخصام الحزب بأنّ عون ما بعد وصوله إلى الرئاسة سيكون أكثر تفلّتاً من قيد «حزب الله».
عمل عون في الشهور الماضية على ترجمة مفاتيح خطاب قسمه بالشكل الذي يراه هو. اختار الرياض والدوحة أول محطتين لزياراته الخارجية. قال غداة الجولة الخارجية كلاماً ظاهره برودة توصيفية لما هو حاصل في سوريا، باعتبار أنه لم يكن رئيساً عندما باشر «حزب الله» القتال فيها، وأنه ورث هذه المشكلة عن سلفه، ويريد أن يعطى المجال المناسب لمعالجة هذه المشكلة. وكان عون حين باشر الحزب قتاله في سوريا رئيساً لأكبر تكتل نيابي مسيحي حليف للحزب، وشهير تصريحه المتنبئ بأن الأحداث ستنطفئ في سوريا «ذات ثلاثاء». وطبعاً اختار عون منطق وراثته لمشكلة تدخل الحزب في سوريا، مدخلاً لكلامه إبان زيارته الخليجية، لكنه لم يشعر بالحاجة لوراثة «إعلان بعبدا» الذي وقع عليه هو والحزب والذي يشكل إجماعاً رسمياً لبنانياً على تحييد البلد عن الحرب السورية. بعض الارتياب في أوساط ثانوية تابعة لـ»حزب الله» من هذه الزيارة وضع أيضاً في خانة تنامي تمايز عون عن حليفه الشيعي المسلّح.
بعد هاتين الزيارتين، أخذت كلمات عون توضح طريقته في مقاربة الأمور. الربيع العربي هو خريف بل جحيم وفيه استهداف للمسيحيين. بشار الأسد هو الذي أنقذ الوحدة الوطنية السورية. لا تناقض بين سلاح «حزب الله» وبين وجود الدولة في لبنان. لا يأتي هنا عون بما هو جديد في مواقفه: هي هي مواقفه، إلى جانب آل الأسد و»حزب الله» قبل انتخابه. الفارق أنه اقتضب وموّه هذه العناوين حين انتخابه وفي مرحلة تشكيل الحكومة. لماذا اقتضب وموّه، ولماذا شعر بالحاجة إلى العودة لأدبيات ما قبل الانتخاب؟
يتوازى ذلك مع الإشكال المزمن حول قانون الانتخاب، ووجود توافق تام بين عون وحليفه المسيحي منذ سنة ونيف، «القوات اللبنانية»، على أن لا عودة إلى «قانون 1960»، وأنه ينبغي استخدام حقه في عدم التوقيع على مرسوم دعوات الهيئات الناخبة، لأجل الضغط باتجاه بلورة قانون انتخابي جديد.
الفارق أن «القوات» كانت تعهدت سابقاً بالمشاركة في أي استحقاق أياً كان القانون، فالأساس هو أن لا تمديد ثالث مرة للمجلس الحالي. أما الجديد فهو مناخ عون، محاطاً بمناخ يوافقه النظرة عند «القوات» في الوقت الحالي، بأنّه إن كان التمديد غير وارد، فإن انتخابات على قاعدة «قانون الستين» كما هو غير واردة أيضاً، وبالتالي، بعد أن عاش البلد في السنوات الماضية تجربة فراغ حكومي، وتجربتي فراغ رئاسي، امتدت آخرها لعامين ونصف، فله أن يجرّب الآن الفراغ البرلماني، رغم كون النظام السياسي من الناحية الدستورية، هو نظام برلماني.
«يوازن» عون بالشكل الذي يراه مناسباً بين حليفيه، «حزب الله» و»القوات». من خارج نظرة عون إلى الأمور قد يبدو التوازن بين الحليفين غير مسند بالواقع. «القوات» و»حزب الله» إلى جانبه في معركة «قانون الانتخاب»، لكن «القوات» ماضية فيها بحماسة أكبر، كون المعركة مطروحة كمعركة استعادة صحة التمثيل المسيحي في المجلس النيابي، وكون «حزب الله» مهتم بمراعاة حلفائه الآخرين، ومن بينهم الزعيم الماروني الشمالي سليمان فرنجية. في المقابل، عون إلى جانب الحزب الخميني والنظام السوري في «الخط الاستراتيجي». مثله في هذا مثل فرنجية والآخرين. لم يبق ذرة التباس في هذا الشأن. لم يؤثر على التزامه في هذا المحور لا تحالفه مع سمير جعجع، ولا تشكيله حكومة مع سعد الحريري، ولا ابتداء جولاته الخارجية بالرياض.
وعد خطاب القسم بسياسة خارجية مستقلة للبنان يرسو إذاً في الوقت الحالي على التالي: الالتزام برؤية حلف الممانعة و»حزب الله» للأمور، من دون الالتزام بلغة الممانعة تجاه الأنظمة العربية. ربما أيضاً التوسط لدى «حزب الله» لتخفيف لهجته ضد دول مجلس التعاون. في هذه الحدود.
أما وعد ما قبل وبعد القسم بتحصيل حقوق المسيحيين فيرسو على التالي: حقوق المسيحيين تنقسم إلى قسمين، جيو- استراتيجي وتمثيلي. في القسم الجيو- استراتيجي، عدوهم هو «الربيع العربي»، وقد ظهر أنه تحايل على الديموقراطية والحرية، بالتلطي وراءهما، وبالتالي مصلحة المسيحيين في محاربة هذا الربيع الجحيمي، إلى جانب الأنظمة التي تحاربه، لكن أيضاً إلى جانب المنظمات المسلحة التي تتصدى له، كما يفعل «حزب الله» في سوريا. المسيحيون لن يكونوا مسرورين من أي فتنة تحدث بين نظام عربي وبين «حزب الله»، وسيعملون على تخفيف حدة أي إشكال في هذا الخصوص، طالما المطلوب التوحد ضد «الربيع» الجحيمي، «الداعشي»!
وهكذا فبعد سنوات من معزوفة «الرئيس المسيحي القوي»، تكون الخلاصة أن «المسيحي القوي» هو الذي يحتاج إلى همّة «الشيعي القوي» في وجه «الربيع العربي» الذي لم يعد قوياً، بل انهار، لكنه لم يزل جحيمياً.
وطبعاً، «القوات» التي ظل العونيون، لسنوات، يعيرونها بأفضل جملة قالها رئيسها «ليحكم الإخوان»، أي ليكن الاحتكام لصناديق الاقتراع، لا تتبنى هذه النظرة «الاستراتيجية» التي يعتنقها عون، ويعتنقها عن قناعة شخصية شديدة وحرة، وهو ما يغيب عن بال كثيرين. لكن «القوات» ماضية مع عون في نظرته إلى «قانون الانتخاب» كما لو أنه مفصول عن نظرة عون إلى «قانون الانتخاب الطبيعي» الذي يمارسه بشار الأسد و»حزب الله» في سوريا.
المشكلة مع عون مسيحياً لها أن تحدّد بدقة إنْ كان مقدراً لحالة مسيحية جديدة أن تبصر النور. هي قبل كل شيء مشكلة مع هذه النظرة إلى انتفاضات شعبية عربية هزت المنطقة عام 2011، وليس عون وحده من يعتبرها جحيماً، بل كذا نظام عربي، من مختلف المواقع، وكذا مناخ مؤات لهذه النظرة في الغرب، بينها دونالد ترامب ومارين لوبان، ويكاد يكون كل الاكليروس المسيحي في الشرق الأوسط، ومعظم المؤسسات الفقهية الرسمية أيضاً. في نهاية المطاف، إن كانت ثمة شكوى مسيحية من إجحاف بحق المسيحيين على مستوى التمثل والمشاركة السياسيتين هي شكوى صحيحة، وهي كذلك إلى حد كبير، فلا يمكن أن تكون قائمة على موقف ينظر لمواجهة فكرة «الربيع العربي»، أي فكرة الحرية السياسية في الشرق العربي، من الأساس. عندما لا يمكنك أن تتقبل أن «يحكم الإخوان المسلمين» إذا قالت ذلك صناديق الاقتراع، فلماذا تنادي بحقوق الإخوان.. المسيحيين؟! وإذا كنت لا تشعر بهزة «إسلاموفوبيا» تجاه الحرس الثوري الإيراني، فلماذا عليك أن تشعر بها، كمسيحي، إزاء أي مسلم عربي ينادي بالحرية؟!

اضف رد