الرئيسية / home slide / تحقيق المرفأ (1/2): السلطة تراهن على 25 سنة

تحقيق المرفأ (1/2): السلطة تراهن على 25 سنة

أحمد الأيوبي – الثلاثاء 23 شباط 2021
https://www.asasmedia.com/news/388149

أثار ردود فعل واسعة قرار محكمة التمييز الجزائية في لبنان بكفِّ يد المحقق العدلي في ملف انفجار مرفأ بيروت القاضي فادي صوّان. ردود بدأت من أهالي ضحايا التفجير، مرورًا بالوسط السياسي المعارض، وليس انتهاءً بالبطريرك الماروني بشارة الراعي. مع بروز مخاوف من أنّ تكون هذه الخطوة مناورةً إضافية من السلطة، التي تجتمع مصالحُ أركانها على ضرورة دفن الحقيقة الكاملة التي يُدان بها الجميع معنويًّا وسياسيًّا، إن لم يكن قانونيًّا وقضائيًّا. يحتمي هؤلاء بالحصانات الدستورية، وبأغلبية نيابية تعرقل مسالك خضوعهم للتحقيق.

شكّل قرار كفّ يد القاضي صوان صدمةً للأهالي وللمعنيين بالقضية، وعلى رأسهم بكركي، لأنّ هناك خَشيةً من لعبة المماطلة التي يتقنها أركان السلطة. لهذا جاء موقف البطريرك الراعي السريع من هذا التطوّر، عندما اعتبر في عظة الأحد 21 شباط 2021، أنّ “كفّ يد المحقق العدلي صوان، جاء ليعود بالتحقيق إلى الصفر، وهذا يثبت ضرورة التعاون مع محققين دوليين”، متمنيًا للمحقق العدلي الجديد طارق البيطار النجاح والإسراع في مهمّته الدقيقة، كما تمنّى للقضاء الإفلات من أيدي السياسيّين والنافذين.

بدوره سأل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط: “هل فريق التحقيق الجديد حصان طروادة لطيّ الملف ودفنه؟”، معتبرًا أنّ “النقطة الأساسية في موضوع تفجير المرفأ وما نتج عنه من دمار وموت، ليس بالتحقيق في كيفية الانفجار، بل في كشف الحقيقة حول من أتى بشحنة النيترات، ومن غطّى على وجودها إلى أن حلَّت الكارثة”.

شكّل قرار كفّ يد القاضي صوان صدمةً للأهالي وللمعنيين بالقضية، وعلى رأسهم بكركي، لأنّ هناك خَشيةً من لعبة المماطلة التي يتقنها أركان السلطة

كما طرح رئيس حزب الكتائب النائب المستقيل سامي الجميل الأسئلة الأكثر مقاربةً للهواجس، عندما ذكّر بأنّ “الرئيس بيطار رفض تعيينه منذ ستة أشهر، وبرّر قراره بتحفظات، منها: لماذا جرى تعيين قاضٍ سبق له أن رفض المهمة؟ ما هي تحفظاته في حينه؟ لماذا قـَبِلَ المهمّة اليوم؟ كيف ولماذا تبدّدت تحفظاته؟ ومن يطيح بمحقِّقٍ استجابةً لقرار سياسي للمتهمين يغتال القضاء والعدالة؟”.

يُجمع من يعرف القاضي بيطار على استقامته في الأحكام، لكنّ المتخوّفين يرجعون هواجسهم إلى مسألتين:

ــ الأولى شخصية: وهي أنّ الانتماء العائلي للقاضي بيطار هو للحزب السوري القومي الاجتماعي، وهذا الأمر له اعتباراته في مقاربة الاختيار، خصوصًا أنّ أحكامه السابقة تناولت قضايا فردية، ولم يسبق له أن قارب ملفًا بهذا الحجم والحساسية والأهمية.

ــ الثانية عامة: وهي أنّ القاضي بيطار تقدّم في سلّم القضاء في إطار ما يمكن تسميته “الحصة العونية” من التعيينات، لأنّه مقرّب من القاضية غادة عون، وهي التي اقترحت اسمه لدى رئيس الجمهورية ميشال عون. فهل سيقف خارج الدائرة التي جاء منها؟ أم سيكون متحرِّرًا من ضغوطها؟

لماذا جرى تعيين قاضٍ سبق له أن رفض المهمة؟ ما هي تحفظاته في حينه؟ لماذا قـَبِلَ المهمّة اليوم؟ كيف ولماذا تبدّدت تحفظاته؟ ومن يطيح بمحقِّقٍ استجابةً لقرار سياسي للمتهمين يغتال القضاء والعدالة؟

الخشية الآن تكمن في وحشية الحصار الذي تمارسه السلطة على القضاء، لحماية المحسوبين عليها ومنع تصاعد الاتهامات نحو أعلى الهرم، إضافة إلى ما يمكن أن تقدّمه هذه السلطة من مغريات ووعود نيابية ووزارية، مقابل كسب الوقت. خصوصًا أنّ هناك في مواقع القرار من يُنظِّر لمقاربة مُدمِّرة للقضية، وهي أنّ المحكمةَ الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، استغرقَ عملُها للنطق بالحكم 15 عامًا، وبالتالي فإنّ قضيةَ تفجير المرفأ، بحجمها وتعقيداتها، يمكن أن تحتاج 25 سنة للوصول إلى النتائج. والأعوام الـ25 كفيلة إمّا برحيل العدد الأكبر من الأهالي، أو بموت المسؤولين الذين يمكن أن يُدانوا، أو بتغييرٍ واسعٍ في البلد يدفن القضية بأسرها، لا سيّما وأنّ هناك سوابق لدفن قضايا لجرائم كبرى سيبقى مرتكبوها ناجين من العقاب، رغم مرور عشرات السنوات على وقوعها.

يقول المحامي الدكتور محمد نديم الجسر الذي يبدي ثقته بالقاضي بيطار، إنّ المطلوب من قاضي التحقيق الجديد أن “لا يتقبّل أيّ ضغط وأن لا يستجيب له، وأن يرفض مجرد تدخل أيّ جهة زمنية أو روحية في التحقيق، أو محاولة معرفة مَجرياته، وأن لا يصبح مهجوسًا بالشعبوية، وأن لا يسعى، ولو في قرارة نفسه، إلى أيّ مكسب على صعيد الشهرة أو الثناء”.

قبل الوصول إلى نتائج التحقيق القضائي، هناك حقيقة واضحة لا لبس فيها، وهي أنّ معظم المسؤولين، بدءًا من رئيس الجمهورية، ومعظم الأجهزة الأمنية والغرف القضائية المعنية، كانوا على عِلْمٍ بتخزين وخطورة النيترات أمونيوم في العنبر 12، لكنّهم لم يفعلوا شيئًا يحول دون تفجير بيروت، وهنا تكمن الجريمة الكبرى التي لا تُغتفر.