الرئيسية / مقالات / تحقيق الخارجية انتصار لـ”الصحافة الصفراء”

تحقيق الخارجية انتصار لـ”الصحافة الصفراء”

حسنا فعل وزير الخارجية جبران باسيل عندما أطلق يد المديرية العامة لأمن الدولة في أروقة الخارجية بحثاً عن مسرّب الوثائق الرسمية السرية الى الصحافة بما أساء الى سمعة لبنان في الخارج، وخصوصا في الاوساط الديبلوماسية، ودوائر القرار الدولي.

وحسنٌ أنه أدار الاذن الصماء لكل منتقدي الخطوة، لان الرأي العام اللبناني مستعد لتأييد الامر ونقيضه في آن واحد، وفق الرياح السياسية. فالكل يريد التصدي للفساد والإفساد، والكل يريد ايضا عدم المس بممثلي الطوائف والمذاهب والاحزاب، كأن الفاسدين تم استقدامهم من عالم فضائي لا شأن لنا به.

صحيح أن الديبلوماسيين العاملين في الخارجية استاؤوا من التصرف، لكن بلوغ الحقيقة أهم من استيائهم، وإعادة ترميم صورة الديبلوماسية اللبنانية تعلو على إجراءات غير مرحب بها تماماً. فالسفراء والديبلوماسيون ليسوا ارفع شأنا من غيرهم اذا ما تجاوزوا حدود المهنية الوظيفية. والتحقيق يشمل الرئيس والمرؤوس، ما دام كل مواطن تحت القانون. وهم بذلك خضعوا للقانون وأخضعوا للتحقيق.

والجيد في الموضوع ان التحقيقات تجاوزت الفولكلور، وتوصلت الى معرفة الحقيقة. سفير مسؤول عن التسريب. سفير يستغل موقعه. سفير يعمل وفق أهوائه السياسية، وربما مصالحه، وارتباطاته. وهو يعاقب وفق الاصول. ومع هذه الحقيقة يتبدى ان السؤال الذي طرحته “النهار” عما اذا كان سيفتح تحقيق في الخارجية، لم يكن من باب “الصحافة الصفراء” كما ادعى سفير لبنان في واشنطن غابي عيسى الذي يدخل اسمه في عداد المتهمين حكما، قبل التوصل الى معرفة المرتكب. وربما يحتاج هو وغيره الى إعادة تأهيل ديبلوماسي لالتزام الاصول والأعراف واللياقات في التعامل والتخاطب. فالتحقيق توصل الى ان المرتكب سفير. ما يعني ان السفراء، وهو منهم، ليسوا معصومين من الخطأ، سواء كان متعمدا او غير متعمد.

المهم في الامر، والذي يعنينا نحن اللبنانيين، ان يحاسب المرتكب ليكون عبرة لغيره، وقد تجرأ باسيل على الخطوة، ومن حق الرأي العام ان يعلن الوزير اسم السفير للملأ، فلا يجرؤ غيره على فعل مماثل، لان هذا الاجراء يعزز الشفافية ومحاربة الفساد الذي ينخر في كل المؤسسات، ولا يعبأ اهله لتجاوزاتهم مستندين الى دعم وغطاء سياسيين.

وإعلان الاسم لا يدخل في باب التشهير، لأن الوزير والنائب والسفير، مواطنون في الدرجة الاولى، وموظفون براتب يدفعه الشعب اللبناني، ومحاسبتهم، بل محاكمتهم، ليست، ولا يجب ان تكون أمرا مستغرباً ومستهجناً. من آخر إبداعات القضاء التحقيق مع زميلة سألت عن موضوع شهادة رئيس الجامعة اللبنانية، ليس أكثر. ومن احكامه غرامات مالية على صحافي شكك في حادثة أمنية. فكيف والحالة هذه لا يحاكم سفير او ديبلوماسي سرّب محاضر سرية؟.

يدرك اللبنانيون ان التدخلات السياسية قد تحول غالبا دون النهايات التي يتمنونها، لكنهم رغم ذلك يأملون في دولة مؤسسات تحاسب المرتكب، والاهم ان تكافئ الملتزم، والمنضبط، والمهني، لا ان ترذلهم اذا لم يقدموا فروض الطاعة السياسية.

إجراء الوزير باسيل يستحق التنويه، صحيح انه نقطة في بحر، لكنه يبقي شعلة الامل.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد