تحقيق استقصائي في الآثار: الجمارك ومخالفة المعاهدات الدولية (2)

منى مرعي|الأحد28/04/2019
Almodon.com

أغدق علينا جواد عدرا بكم هائل من الوثائق.. إلا البيانات الجمركية! (المدن)

عندما باشر جواد عدرا الكلام عن متحف “نابو”، وما يحيطه من اتهامات أو شائعات، أمسكت هاتفي طالبةً الإذن بالتسجيل. أجابني: “لاحقاً ستسجلين”. وصلت الجلسة إلى نهايتها ولم أسجل شيئاً بناءً على رغبته. خلال الأحاديث المتشعبة التي امتدت لأكثر من ساعتين، ذكر جواد عدرا أنه هو من يسعى دائماً لاتباع السبل القانونية في عمله: “ما عندي شي خبّيه”. قال أنه اشترى الكثير من القطع الأثرية. ومصدرها موثّق، وقد صرّح عنها، حسب قوله، لدى وزارة الثقافة. أما عن مصدر المجموعات التي يقتنيها، فأرسل لي لائحة بالغاليريات والمزادات العلنية، ومنها “كريستيز” و”بونامز” و”جيرهارد هيرش” وغاليري “آرتيميس وأوين”.

مرسوم وزارة الثقافة
فيما يتعلق بالمسلات الفينيقية الآتية من صور، كانت حكايته التالية: “في أواخر الثمانينات، كنت مقيماً في السعودية، ووردني اتصال من أحدهم، ذاكراً أن هنالك آثاراً يتم تهريبها من صور إلى إسرائيل. ومن أجل ذلك بادرت إلى إنقاذها”. سألته لماذا لم يجب على مقالة Live Science فيما يتعلق بالرقم المسمارية، استخف بما ورد في المقالة، ذاكراً أنه سمح لدراسة أكاديمية قامت بها جامعة كورنيل في أميركا حول ما في حوزته. سألني حينها “لو كان مصدر هذه المجموعة مشبوهاً هل كنت سأنشرها في دراسة أكاديمية؟”. وأكمل أنه يتواصل بشكل مباشر مع العراقيين. وشدّد على أنه من بين القلائل الذين دفعوا نحو تنفيذ مرسوم 3065 الذي أُقر عام 2016، لتشجيع أصحاب المجموعات والمقتنيات الأثرية القديمة للإعلان عنها لدى وزارة الثقافة. وفقاً لمادته الأولى، ينظم هذا المرسوم “أصول التصريح عن الآثار القديمة المنقولة، التي يكون حائزاً لها بصورة علنية وهادئة وخالية من الإلتباس، ولغايات تجارية، أي من الأشخاص اللبنانيين الطبيعيين والمعنويين…”. وفقاً للمادة الثامنة من هذا المرسوم، يُسمَح للأشخاص الذين يملكون آثاراً منقولة متواجدة خارج لبنان، سواء كانت من منشأ لبناني أو غير لبناني بإدخالها إلى لبنان، شرط الاستحصال على إذن خطي يصدر عن وزير الثقافة، بناءً على اقتراح المدير العام للآثار. يتضمن الإذن الخطي تحديداً لمنشأ ولعدد الممتلكات الأثرية القديمة المنوي استيرادها ووصفها ونوعها”. ويجب أن يرفق الإذن الخطي للوزير مع سائر الوثائق، لدى تنظيم البيان الجمركي. وينبغي لاستكمال العملية الحصول على إيصال جمركي.

طلبتُ الإطلاع على الأذونات، وعلى البيانات الجمركية، وعلى المراسلات مع الحكومة العراقية. ولم يبخل علي عدرا بكم هائل من الوثائق، من دون أن يتمكن من تأمين البيانات الجمركية. والسبب كان لوجستياً بحتاً. من بين هذه الوثائق، على ما أذكر، ملف المراسلات بين وزارة الخارجية اللبنانية ووزارة الخارجية العراقية، يتضمن رسائل حول موضوع الرقم المسمارية. وبعضها موجه إلى السفير العراقي علي العامري. ومفاد إحدى الرسائل أن هنالك استعداد لإعادة المقتنيات الأثرية إلى الحكومة العراقية. طلبت منه تصوير هذه الوثيقة، وبعض الوثائق الأخرى كي يتسنى لي العودة إليها وقراءتها بتمعن لدى كتابة المقالة، لكنه فضّل ألا أقوم بذلك. لأكثر من مرة، سألته: إن كان يملك كل هذه الوثائق لماذا لا يمنع الشبهات عن متحف نابو، ويبرز وثائقه، أجابني “أنا جلدي مش سميك”. تلك العبارة، ذكرها في بداية لقائنا، قبل أن نسهب في أحاديث المصلحة العامة. تحدث أنه يتجنب الظهور على الإعلام، وأنه ينتمي إلى صنفٍ من الناس الذين يعملون بصمت، من دون كثيرٍ من البلبلة والعراضات. في حديث آخر قال لي “ما بقى تقولي كلمة شبهات، بتجرحيني لما تقولي كلمة شبهات عن متحف نابو”. أسرّ أنه يتعامل مع متحف نابو كأنه جوهرة، ولا يريد أن يمسها بأي لطخات. وهو يتساءل دائماً إن كان ما سيبرزه من وثائق سيفيد الصالح العام للمتحف.

بين مرسوم 3065 والاتفاقيات الدولية :
يرى البعض أن مرسوم 3065 وُضع بشكل أو بآخر لتشريع أو لـ”تبييض” امتلاك قطع أثرية، قد تكون مجهولة المصدر. وقد تكون طريقة حيازتها غير شرعية. كما يرى بعض الأثريين أن المرسوم يتعارض مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقع عليها لبنان، ومنها اتفاقية اليونسكو التي وقعت عام 1970 “بشأن الوسائل التي تستخدم لحظر ومنع واستيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة” وتحديداً البنود 3 و6 و11. وبحديث مع المحامية فداء عبد الفتاح، أكدت “أن المرسوم تشوبه الكثير من الثغرات. ويطرح تساؤلاً حول كيفية العمل بمرسوم مخالف للاتفاقيات الدولية الملتزم بها لبنان، إضافة إلى عدم الطلب من المصرحين عن ممتلكاتهم الأثرية تبيان مصدرها وكيفية حيازتها. الأمر الذي يفتح الباب مشرعاً.. لـ”تشريع” القطع المسروقة . لهذا فإن مرسوم الوزير عريجي ليس مخالفاً فقط لاتفاقية اليونيسكو، انما يخالف اتفاقيات ومعاهدات دولية”.

لا ترى المحامية عبد الفتاح أن المرسوم يجب أن يخضع لتعديلات فقط، إنما يجب أن يُلغى، وأن يُعمل على قانون جديد للآثار، ينبع من روحية القوانين والاتفاقيات الدولية التي وقع عليها لبنان، والتي تحمي الآثار وتمنع الاتجار بها، مع الأخذ بالاعتبار الأحداث الإقليمية الراهنة، والتي أدت إلى توسع عمليات التجارة غير المشروعة لتمويل الإرهاب. وكانت تجارة الآثار إحدى أهم مصادر التمويل التي اعتمدتها “داعش”.

في سياق آخر، ترى سوزي حاكيميان، رئيسة المجلس الدولي للمتاحف في لبنان، أن المرسوم له حسناته في تنظيم المقتنيات الأثرية الخاصة .ولكن العبرة تكمن في التصرّف والتطبيق، ما يحتم معرفة مصدر القطعة الأثرية والإطلاع عليها، للتأكد إن كانت مزورة أو مسروقة.

لقاء الحادي عشر من نيسان مع عدرا
في اللقاء الأول، دخلت وخرجت سكرتيرة جواد عدرا إلى المكتب عشرات المرّات، مصطحبة وثيقة تلو الأخرى. الحقيقة أنني تعبت عنها. كادت الجلسة أن تنتهي، وتعذّر الحصول على البيانات الجمركية، بسبب عدم تواجد الموظف المطلوب. هممت بالخروج. لكن عدرا أصرّ أن نلتقي مجدداً، كي أطّلع على وثائق الجمارك طالما “أصرّيت أكثر من مرة على البيانات الجمركية”.

في لقائنا الثاني، بدأ حديثه أنه دائماً يسعى إلى التفكير “خارج الصندوق”. ولا تندرج فكرة متحف نابو إلا ضمن هذا الإطار. كان بإمكانه أن يتصرّف كالكثيرين من مقتنيي المجموعات الخاصة، وأن يكدسها في الأقبية. لكنه فضّل أن يجعل مجموعته الأثرية متاحة للناس. هو يحلم أن يأتي نهار يعرض فيه متحف نابو قطعة تعود للقرن الثاني من البيرو، وأخرى من المكسيك، وأخرى من الصين، وأخرى من المتوسط.. وأن يبحث عن ما هو مشترك بين تلك الحضارات. هو معني أولاً وآخراً بـ”الإنسانية”! وبالنسبة له القطع الأثرية ليست ملكاً لدولة واحدة فقط، هي ملك الإنسانية جمعاء. وهذا التفاعل مع القطع الأثرية ليس بالنسبة له سوى مساحة فعلية للناس، كي تبدع وتفكر وتبتكر وتتشارك. لذلك يركز على الأهم: المتحف هو الجوهرة التي وجب المحافظة عليها، والذي منذ افتتاحه حتى اليوم زاره مئة ألف تلميذ. ذكر أنه عندما اتصل بأحد الأكاديميين الذي هاجم متحف نابو، قال له هذا الأخير “حبذا لو أبقيت مجموعتك الخاصة في المنزل”! استغرب هذا الرد وسأل ان كان ما يقوم به “جريمة أن يتيح قطعة أثرية لعامة الناس ومجاناً”. بالنسبة له، هذه الحملة التي تُشن على متحف نابو لا علاقة لها بالآثار ولا بحملة نيللي عبود. هنالك ما هو أبعد من ذلك.
(وللتحقيق تتمة)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*