الرئيسية / مقالات / تحركات في بيروت والمناطق: جمر الثورة تحت رماد كورونا

تحركات في بيروت والمناطق: جمر الثورة تحت رماد كورونا

نادر فوز|الجمعة17/04/2020
Almodon.com

ناشطون داخل وزارة الاقتصاد (مصطفى جمال الدين)

كشف وزير الاقتصاد، راوول نعمة، للبنانيين أنه من طينة الطبقة الحاكمة. سيرته الذاتية والمهنية تشي بذلك أساساً، في إدارة المصارف في بيروت وجنيف واسطنبول. لكن ما صدر عنه أمس الخميس جاء ليثبّت انتماءه إلى تلك الطينة على مستوى ردود فعله. فقال خلال مواجهة بينه وبين عدد من الثوار في مكتبه في الوزارة، إنه “على المواطنين أن يقصدوا السوبرماركت الرخيصة إذا تبيّن لهم أنّ بعضها يبيع المواد بأسعار أغلى”.

لم يكتف بهذا القدر، بل برّره بشهادة ذاتية “أمي أصلاً كانت تقول لي ألا أقصد هذا الدكّان بل ذلك، لأنّ أسعاره أغلى”. ربما كان يجدر بأحد الثوار أن يلكزه في مكان الاجتماع، ليذكره بأنه قد كبر. بأنه في مكتبه في وزارة الاقتصاد، أنه صار وزيراً ومسؤولاً عن حماية لقمة الناس وأسعار موادها الغذائية والاستهلاكية.

نسيج حاكم
قدّم نعمة لنا مثالاً جديداً عن نسيج الطبقة السياسية. نسخة جديدة من موقف “قبرص مش بعيدة” الذي أدلى به وزير الداخلية نهاد المشنوق رداً على موضوع الزواج المدني. ونسخة ثانية عن رد “ما يتملّكوا يعيشوا بالإيجار”، الذي ورد على لساني النائبين ياسين جاير ورلى الطبش لدى سؤالهما عن قروض الإسكان. كلّ سياسيينا ماري أنطوانيت. يترجمون “دعهم يأكلون البسكويت”، كل على طريقته وبحسب اختصاصه أو ما يدّعيه من اختصاص. لكن تبقى النتيجة واحدة: طبقة سياسية واحدة موحدّة، أدت سياساتها إلى نهب المال العام وتراكم الدين على الخزينة، تعجز عن إدارة هذه الأزمة أو غيرها من الأزمات. لا لشيء إلا لأنّ السارق لا يمكن أن يقطع يده بيده الأخرى (فقط للتشبيه)، والقاتل لا يمكن أن يعلّق مشنقته  بنفسه (للتشبيه أيضاً)، ولا الفاسد قادر على محاسبة ما ارتكبه.

تحرّك أول
جابت بيروت أمس مسيرة سيّارة، رفع خلالها الناشطون الأعلام اللبنانية، ورددوا شعارات ثورة 17 تشرين. توّقفت المسيرة أمام جمعية المصارف، ثم في ساحة الشهداء وبعدها انتقل بعض من الناشطين إلى وزارة الاقتصاد. أتى هذا التحرّك الأول من نوعه منذ فرض إجراءات التعبئة العامة، ليؤكد أنّ المطالب لم تنسَ، وأنّ فيروس كورونا وظروفه لم يبدّل شيئاً لدى مجموعات الثورة. كانت السلطة وأحزابها وأجهزتها الأمنية قد حاولت استدراك الأمر، فعملت طوال الأسابيع الماضية على إعادة فتح الطرقات في وسط بيروت، وتكسير خيام الاعتصامات وتوقيف المتواجدين فيها، بحجة خرق إجراءات التعبئة العامة. ولم تبدّل السلطة شيئاً في أدائها طوال هذه الفترة، لا بل استغلّت ظروف كورونا، ومرّرت المشاريع في جلسات مجلس الوزراء، واستمرت في التوقيفات والاستدعاءات الكيدية. لكنها تعلم جيداً أن جمر الثورة تحت رماد كورونا. فكان أمس مشهد احتجاجي أول ينذر بالمزيد لاحقاً، بدءاً من الجلسة التشريعية الأسبوع المقبل.

ثوار في الوزارة
نجح أمس ناشطون وناشطات من “الحركة الشبابية للتغيير” وغيرها، في الدخول إلى وزارة الاقتصاد، والثبات فيها لساعات لحين وصول الوزير. كان الهدف من ذلك وضعه أمام مسؤولياته. تمّ الأمر، وحصل ما هو أكثر، إذ وضعوا نعمة تحت المجهر، وبانت طينته أيضاً. صمد الثوار في الوزارة مردّدين الشعارات ضد الفساد وغلاء الأسعار والتلاعب بها، إضافة إلى الدور شبه المعدوم لوزارة الاقتصاد في مراقبة السوق والمحتكرين. وجرت المواجهة مع الوزير، الذي اعترف خلالها بعجزه عن تأدية مهامه. قال إنّ الوزارة تعمل ضمن ما هو متوافر من عديد، ورمى المسؤولية على القضاء والأجهزة الأمنية. والنتيجة أنّ الثوار سيصعّدون في حال لم تتّخذ الوزارة قرارات صارمة وممارسات فعلية، لوقف الاحتكار وكبح الأسعار.

احتجاجات في المناطق
وفي صيدا، تحرّكت مجموعة من الناشطين أيضاً فاعتصمت أمام مصرف لبنان. ردّدوا الشعارات المندّدة بالسياسة المالية، وبارتفاع سعر صرف الدولار واحتجاز أموال المودعين. نقلوا شكوى كل المواطنين من سياسة المصارف.

وفي طرابلس تجمّع العشرات أيضاً في ساحة النور احتجاجاً على الأوضاع المعيشية، هتفوا ضد السلطة وضد سياسات الحكومة وعجزها عن حل الأزمة. لا يرى هؤلاء، كما الآلاف غيرهم، إلا السوء من قرارات الحكومة. عادت الهتافات إياها، كما عاد الصدام مع القوى الأمنية. سقط عشرة جرحى. ولا يبدو أن الغضب سيخمد.  

وفي غزّة البقاعية، احتشد عشرات النساء في البلدة وعملن على قطع الطريق احتجاجاً على توقيف القوى الأمنية لأحد أبناء القرية. كل هذه الاحتجاجات جاءت لتؤكد أنّ لا شيء تغيّر لدى اللبنانيين المنتفضين على السلطة، تماماً كما لم تتغيّر السلطة في تعاملها تجاه المواطنين.

جاءت هذه التحرّكات لتؤكد أنّ في الثورة نبض مستمر. والاستمرار فيها واجب إنساني، لأنّ في هذه السلطة، وزير يبحث عن انتصار فأعلن النصر المبكر على كورونا. ووزيرة حملت متر القياس للتأكد من المسافة التي تركها الصحافيون بين كراسيهم في مؤتمرها الصحافي. وآخر عبّر عن إنجاز من خلال توقيف سارق مسلّح لإحدى الصيدليات. ورابع، راوول نعمة، قال أمس للناشطين في الوزارة “أنا تَيس”. فردّ عليه أحدهم “ونحن أصحاب حق”. ربما لم يفهم الردّ لأنه لا يرى في لقمة عيش الناس حقاً، وليكون الردّ أوضح: الثورة أتْيَس.

اضف رد