تحذير دولي وإقليمي من سياسات تأخذ لبنان إلى المجهول

بعيداً من المجهول الآتي، ابن آوى ذهبي ينظر إلى الكاميرا في التلال المحيطة بمدينة البترون (أ ف ب).

يؤكد مقربون داخل الحلقة الضيّقة لرئيس الوزراء سعد الحريري لـ”النهار” انهم يجهلون موقف الرئيس الحريري مما يجري، وتحديداً ما يتعلّق بـ”التسوية الرئاسية” التي أنهت الفراغ الرئاسي عام 2016. وبناء على هذا التأكيد، يشير هؤلاء الى ان كل الجدل الذي تصاعد في الايام القليلة الماضية على خلفية مواقف لرئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، لا يعني ان مصير التسوية بات على المحك.

متابعون للاتصالات الجارية لإيجاد مخارج من هذا الجدل شرحوا لـ”النهار” عشية عودة رئيس الحكومة الى بيروت بعد إجازة عيد الفطر، ان الملفات الجديّة المطروحة على بساط البحث في هذه المرحلة، هي الموازنة والتعيينات والكهرباء. وهذه الملفات التي تحرّك أولها، أي الموازنة، في اتجاه مجلس النواب، فيما بقي ملفا التعيينات والكهرباء على طاولة الحكومة، تتطلب تضامناً حكومياً يبدو انه مفقود حاليا. ولا يختلف اثنان حول سبب غياب هذا التضامن الذي يعود الى حسابات فريق “التيار الوطني الحر” بزعامة الوزير باسيل، وهي حسابات تصطدم بكل المقاربات التي تسعى الى توفير إجماع. وتكفي الاشارة هنا الى ما يتردد عن سعي “التيار” الى الحصول على التعيينات المسيحية منفرداً ووضع شروط على التعيينات الاسلامية.

عند توجيه السؤال الى هؤلاء المتابعين حول الوسيلة التي يمكن اعتمادها لردم الهوة بين هذا الفريق الوزاري وبين سائر مكوّنات الحكومة، يجيبون بلا تردد بأن الحل متوافر عند رئيس الجمهورية ميشال #عون الذي يتمتع بصلاحيات دستورية داخل السلطة التنفيذية، كما يتمتع بصلاحيات سياسية داخل التيار العوني. فهل هناك من أفق كي يمارس الرئيس عون هذه الصلاحيات الدستورية والسياسية؟ في معلومات مستقاة من الاتصالات التي جرت على أعلى المستويات، ان الرئيس عون مقتنع تماماً بكل الاداء الذي يمارسه الوزير #باسيل. وخرج احد هؤلاء المشاركين في هذه الاتصالات بانطباع ان رئيس الجمهورية منح زعيم تياره السياسي ورئيس فريقه الوزاري تفويضاً مطلقاً، ما دفع الوسطاء الى الانكفاء بعدما أقفل قصر بعبدا أمامهم باب المناقشة. وصار لزاماً على سعاة الوسطية ان يتجهوا نحو وزير جيّر له رئيس الجمهورية كل صلاحياته. وهنا جوهر الازمة التي يمرّ بها الآن العمل الحكومي. إذ كيف يمكن رئيس مجلس الوزراء ان يسيّر عمل السلطة التنفيذية بموجب صلاحياته الدستورية مع وزير في حكومته بدلاً من ان يسيّرها مع رئيس الجمهورية الشريك الاساسي في هذه السلطة؟ حتى يعود العمل الحكومي الى “رشده” الدستوري، وفق تعبير مصدر وزاري قريب من رئيس الحكومة، بدأت هذه الازمة الداخلية تتفاعل خارجياً. فقد علمت “النهار” أن الجهات الخارجية المعنية بمؤتمر#سيدر شرعت في توجيه رسائل الى المسؤولين حول ما اعتبرته “التفافاً” على التزامات لبنان لمعالجة ملف الكهرباء الذي يمثل فعلياً “الخطيئة الاصلية” التي تسببت بمديونية هذا البلد ووضعته في المراتب الاولى للدول الاكثر مديونية في العالم. وأخذت هذه الجهات على المسؤولين انهم أخرجوا بند تمويل عجز الكهرباء من الموازنة على رغم انه يبلغ وحده ملياري دولار أميركي.

من تفاعلات الازمة الداخلية خارجياً أيضاً، ما يتصل بما طرأ من تعامل مع ملف النازحين السوريين في لبنان. وفي معلومات لـ”النهار” ان الاتحاد الاوروبي يستعد لإصدار بيان شديد اللهجة ضد ما يعتبره ممارسات مجحفة بحق هؤلاء النازحين مورست أخيراً في دير الاحمر وعرسال. وفي موازاة ذلك، علمت “النهار” من مصدر وزاري ان وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، عضو الكتلة الوزارية لـ”التيار الوطني الحر”، أعد خطة تجيز “العودة القسرية” للنازحين الى سوريا، بما يتنافى مع المبادئ والاعراف الدولية. ومن المفارقات، بحسب هذا المصدر، ان سلوك بعض المسؤولين يأتي في زمن تفاقم الأزمة في سوريا على المستويين الامني والسياسي. ويكفي هنا إيراد ما نشرته صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية قبل يومين تحت عنوان “الأسد يدمر منازل اللاجئين ليفرض سيطرته على معقل المعارضة”. واستند المقال الى المعهد الأوروبي للسلام الذي نشر تقريرا أكد فيه أنه بين أيلول وكانون الأول 2018 أعلن النظام السوري “تفجير344 مبنى بشكل علني بحجة عمليات التنظيف والتطهير في أعقاب الحرب”. فالى أين سيعود النازحون إذا فرض لبنان عليهم العودة، وعددهم يقارب المليون ونصف مليون نازح ؟ التصريحات التي أدلى بها أخيراً الوزير باسيل، حرّكت الكثير من الانتقادات التي لم تقتصر على الداخل فحسب، بل وصلت الى المنطقة، وتحديداً الى المملكة العربية السعودية. فباسيل قال في تغريدة له: “من الطبيعي ان ندافع عن اليد العاملة اللبنانية بوجه اي يد عاملة اخرى، أكانت سورية فلسطينية فرنسية سعودية ايرانية او اميركية، فاللبناني قبل الكل…”. فردّ الأمير السعودي عبدالرحمن بن مساعد، على تغريدة الوزير باسيل بتغريدة مماثلة قال فيها: “مشكلة العمالة السعودية السائبة في لبنان كبيرة، ولا يلام معالي الوزير العبقري على تصريحه ولا أرى فيه أي عنصرية، بل هو تصريح حكيم وفي محلّه، فالسعوديون زاحموا اللبنانيين على اعمالهم واللبنانيون أولى ببلادهم، سيما أن عدد العمالة السعودية في لبنان يقارب الـ200 ألف!”.

هل من نهاية لهذه الازمة؟ لا يبدو في رأي المراقبين ان ثمة نهاية قريبة لهذا التخبط الداخلي. وإذا كان من نهاية فعلية، فستبدأ من تجاوز الحسابات الشخصية لحسم رئاسة الجمهورية المقبلة منذ اليوم، ما جعل الطامح البارز الى هذا الحسم، أشبه بـمسترئس لا نصير له.

ahmad.ayash@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*