الرئيسية / أخبار الاقتصاد / تبييض الأموال واختلاف المعالجات

تبييض الأموال واختلاف المعالجات

عام 1994 زار لبنان رئيس ماليزيا الدكتور مهاتير محمد تلبية لدعوة من الرئيس رفيق الحريري الذي كان يريد تلمس أسباب نجاح الزعيم الماليزي في تنمية اقتصاد بلاده بسرعة خلال فترة قصيرة نسبيًا.

طلب مني الرئيس الحريري إجراء مقابلة مع الدكتور مهاتير محمد وشاركني في المسؤولية الدكتور فريدي باز من كبار مسؤولي بنك عوده في ذلك الوقت والمشرف على النشرات الاقتصادية للمصرف.

اجرينا المقابلة في فندق “البريستول” حيث كان ينزل المسؤول الماليزي ليكون على مقربة من دار الرئيس الحريري، وكان حديث مطول عن عوامل نجاح ماليزيا في إحراز تقدم سريع في مستويات الدخل والاعتماد على الصادرات.

بعد ذلك كان لنا حديث ودي مع الدكتور مهاتير، بعيداً من التسجيل والتصوير، وكان لنا سؤال وجهناه اليه: هل تشعر بان صديقك الرئيس الحريري سينجح في مشروعه لاحياء النشاط في مختلف قطاعات الاقتصاد وفي اعادة اعمار وسط بيروت الذي كان نشاط شركة سوليدير قد بدأ لتحقيقه في ذلك الوقت؟

لقد ادهشنا الدكتور مهاتير بجوابه إذ قال إن الرئيس الحريري لن ينجح في مساعيه المتعددة لان الطاقم الاداري المتوافر لمساندته يشكو من وسائل عمل متقادمة، من أهمها الاعتماد على الرشى. ومهما كانت نيات الرئيس الحريري صافية وايجابية، فإنه سيواجه معارضة ضمنية من المنتفعين الذين يرفضون تغيير وسائل العمل. والرئيس الحريري الذي حمل برنامجًا اعماريًا وتعليميًا طموحًا لم يلق الاستجابة المطلوبة، على رغم انه ينتقي أفضل الكفاءات لتسليم اصحابها ادارة شؤون الدولة ويدفع لهم معاشات شخصية تبعدهم عن قبول الرشى لتسهيل الامور.

اليوم بدأت تتبدى دلائل على ان ماليزيا واجهت بالفعل قرصنة من كبار المسؤولين بعد تخلي الدكتور مهاتير عن السلطة لرجل اختاره هو ليكون رئيس الوزراء ومجموعة من كبار الموظفين، ويبدو أن هؤلاء، بتشجيع من مصرف اميركي للاعمال أقدموا على استصدار سندات دين لمشاريع انمائية في ماليزيا بلغت قيمتها 6.5 مليارات دولار. ومنذ سنة ونصف سنة بدأت تظهر مؤشرات لكون غالبية الاموال حولت إلى مشاريع وهمية وشراء المجوهرات واليخوت والطائرات الخاصة لكبار المسؤولين، حتى أن رئيس الوزراء وحده حصل على حساب مقداره 600 مليون دولار، وحين أظهر التحقيق الجاري حاليًا ذلك، ادعى رئيس الوزراء السابق الموقوف الآن ان المبلغ توافر له من أمير سعودي. والواقع ان السلطات السعودية وامراء المملكة اكدوا بشكل قاطع انهم لم يتبرعوا لرئيس وزراء ماليزيا السابق بأية اموال خاصة.

هذه صورة عن الوضع في ماليزيا البلد الذي كان يعتز الدكتور مهاتير محمد بنظافة أيدي وزرائه وكبار موظفيه، فلا عجب ان تكون هنالك صورة مشابهة الى حد ما في لبنان، والحكومة الماليزية التي يرأسها الدكتور مهاتير وهو تجاوز الـ92 سنة تطالب مصرف الاعمال الاميركي بتعويضها 6.5 مليارات دولار استدانتها لماليزيا في اسواق المال المتفلتة بين 2006 و2008.

ان المثل الاكبر على غرابة معالجة قضية تبييض اموال ربما كانت أكبر قضية معروف بعض تفاصيلها حتى تاريخه وتخص أكبر مصرف خاص دانماركي والمبالغ التي جرى تبيضها مدى سنوات توازي 260 مليار دولار، وقد بيّضها فرع للمصرف الدانماركي في استونيا هذا البلد الصغير.

بلغ عدد موظفي فرع المصرف في استونيا 50 موظفًا وأصحاب الودائع الذين ساهموا في عملية التبييض سواء كأشخاص أو كشركات لا يزيد عددهم على 10 آلاف، وبعد كشف العملية واستقالة موقتة لمدير الفرع، وتكليف محام قدير دراسة مجريات الامور، وبعد انقضاء سنتين أو أكثر، صدر تقرير يعتبر فرع المصرف والمصرف الاصلي بريئين من اية مخالفات، فقانون استونيا لا يفرض عقوبات على أعمال تبييض الأموال وعلى الموظفين الذين يسهلون هذه الاعمال.

بكلام آخر، تبييض أموال مدى عشر سنين تبلغ 260 مليار دولار أو أكثر بقليل لا تطاوله العقوبات الاميركية والتي تفرض على موظفين روس، أو سوريين، أو ايرانيين، والفارق الوحيد ان الدانمارك حليف أساسي للأميركيين وخيار الملاحقة، وقد تكون مخالفة للقوانين السارية في البلدان المتقاضية، تفرض حيث هنالك استهداف اميركي للمسؤولين في بلدان معينة.

اليوم الاتحاد الاوروبي في صدد اصدار تشريع يعاقب على تبييض الاموال ويندد بالممارسات في 20 بلدًا على الاقل على انها تسهل عمليات التبييض، ومن آخر البلدان التي أدرجت في تصنيف البلدان المتمنعة عن محاربة التبييض السعودية، وقد اعترضت انكلترا على هذا التصنيف كما فرنسا والمانيا والمفترض اقرار توصيات اللجنة القانونية للاتحاد الأوروبي الاسبوع المقبل.

ماذا يقول المسؤولون في بلد كالسعودية أو مصر عن قانون كهذا، وهل تبقى هنالك من شرعية مقنعة لمبادرات عقابية كهذه لا يستطيع أي مراقب قانوني افتراض شرعيتها؟

مكافحة تبييض الاموال بصورة ارتجالية لا تفيد في ضبط العمليات على نطاق عالمي وضمن تشريعات مختلفة، والقدرة العقابية تبقى في ايدي بلدان ومؤسسات تفرض ان ممارساتها لا يغشاها أي غبار.

العام المنصرم ظهر ان موظفي أحد أكبر المصارف الاميركية استغلوا سحوبات من حسابات غير متوافرة حقًا، وبلغ حجم الاستغلال ملياري دولار، ولم يحاسب أحد هذا المصرف الذي كان خامس أكبر مصرف في الولايات المتحدة ولا يزال.

قوانين كبح المخالفات المصرفية وتبييض الاموال يجب ان تكون متناسقة مع قوانين البلدان المعنية وألا تكون هنالك مفارقات في فرض العقوبات النقدية على اسس تبدو متساهلة مع حلفاء وانتقامية من آخرين، واذا استمر الوضع كذلك سنشهد تدهورًا في نظام النقد الدولي.

اضف رد