تاكسي

 د. ابتهال الخطيب 
القدس العربي
25012019

في مقابلة أخيرة لي مع الأستاذ عبد الكريم الجسار عبر برنامجه «شطرنج»، سألني المذيع الشاب حول موضوع فرض الحجاب على الصغيرات وعن ظاهرة إقامة حفلات للبس الحجاب أو محاولة إغرائهن بالهدايا والوعود لارتدائه وهن في سن صغيرة. تنتشر ظاهرة حفلات الحجاب هذه تحديداً، والتي تسمى حفلات «تكليف» في المجتمع الشيعي، إذ تلزم العائلات المتدينة صغيراتها في التاسعة من العمر تقريباً بلبس الحجاب، وتتم إقامة هذا الحفل احتفاء بالمناسبة.
حضرتني مباشرة فكرة البرمجة الاجتماعية التي نقوم بها جميعاً تجاه أبنائنا، والتي يقوم بها المجتمع تجاهنا جميعاً قبل حتى فترة بدء الوعي وتسجيل الذاكرة، فكلنا في الواقع نتاج هذه البرمجة. ليس هناك أي بشر على سطح الأرض يعيش في مجتمع إنساني هو بمعزل عن المؤثرات والبرمجات أو هو متحرر من تأثير الآخرين وتأثير بيئته المحيطة عليه وعلى تشكيل أفكاره. بلا أدنى شك، أنا أحاول زرع إيمانياتي وأفكاري في أبنائي، أزين هذه الأفكار وأرفقها بالمغريات التي تعزز من مكانتها وقوتها في نفوسهم، فبأي حق أنقد الآخرين ما آتيه أنا ويأتيه كل أم وأب تقريباً على سطح الأرض تلقائياً وغالباً بدون سبق إصرار وترصد؟ إنها طبيعة الحياة، أن تدفع بأبنائك إلى الطريق الذي تعتقده صحيحاً ممهداً حافظاً لهم في الدنيا وما بعدها إن كنت تعتقد بهذا المابعد، كلنا نفعل ذلك بطريقة أو بأخرى، كلنا نسعى لغرس أفكارنا وأيديولوجياتنا وإيمانياتنا، لربما هي صورة من صور محاولة الاستمرار، ومحاولة البقاء وحفظ النوع، النوع الفكري في هذه الحالة.
بكل تأكيد، قمت أنا بالدفع بأفكاري في نفوس أبنائي، إلا أنني وبعد المقابلة المذكورة أفكر كثيراً في صور البرمجة التي انتهجتها. لا أتذكر إقامتي احتفالاً أو تقديمي «رشوة» مادية ما سوى في مناسبة واحدة، يوم بلوغ ابنتيّ، ففي هذا اليوم أحتفل أنا والصغيرة البالغة منهما بما نسميه «يوم الفتيات»، فنخرج من أول اليوم لآخره، نتسوق ونأكل ونحكي وندخل السينما ونفعل كل ما يمكن فعله احتفاء بهذه المرحلة العمرية الجديدة. أعي أنا خطتي بوضوح، هي محاولة لتعزيز الفكرة النسوية في وعيهما، بذر محبتهما لجسديهما وافتخارهما بكل مراحله ووأد كل مظاهر الخجل من التغيرات الفسيولوجية التي قد تطرأ عليه، وأخيراً تعزيز فكرة قوة وروعة هذا الجسد وهذا التغيير الفاصل (البلوغ) الذي يميز جسديهما بقوة وعظمة تقترب من الإعجاز، وهو التغيير الذي يعامله المجتمع والقراءات الدينية أحياناً على أنه عيب ونجاسة.
إذن، أبرمج أنا أبنائي كذلك، وعياً ولا وعياً، وكلنا نفعل ذلك من منطلق المحبة الصادقة والخوف العارم والرغبة الحقيقية في إسعادهم وحمايتهم. لربما أختلف أنا ومفهوم الفرض، وإن كنا كلنا نحتاج أن نفرض شيئاً من السلطة من منطلق مسؤوليتنا كآباء وأمهات، في فترة أو أخرى من الحياة. كما وأختلف تماماً ومفهوم الضغط الشديد، لأنه وببساطة سيرتد على الأبوين في مرحلة أو أخرى من حياة الأبناء. موضوع الحجاب لا يختلف كفكرة أخلاقية عن غيرها من المواضيع التي نتعامل معها بشكل يومي، فكما أن لدي «شفرة» أخلاقية أتبعها وأربي أبنائي تبعاً لها، للآخرين شفراتهم المختلفة والمتعددة، ولربما هنا تحديداً تكمن صعوبة فكرة الحرية التي تكلمت عنها في المقال السابق ومقالات تسبقه كذلك، صعوبة تكمن في ضرورة التعامل مع إيمانياتك الخالصة على أنها مجرد رمز من رموز الشفرة الإنسانية الكاملة، مجرد رقم، لا تتميز به بشيء ولا يحق لك فرضه بأي صورة أو شكل.
تقول د. نوال السعداوي حول موضوع الحجاب إن فكرته تعزز «جنسية المرأة»، فهو يعلنها مادة شهوة يجب أن تغطى، كما أن التعري أو مساحيق التجميل المبالغ بها مثلاً تعلنها مادة شهوة يجب الاستمتاع بها. بعض النظريات النسوية الجديدة تدفع بالتباهي بالجمال وعدم الخجل من عرضه، فالمحافظة على الجمال الخارجي لا يمكن أن يقلل من الجمال الداخلي أو من القدرات العقلية للإنسان، فالجمال يجب أن يحتفى به بكل صوره، حيث تصل بعض النظريات النسوية إلى مستويات من التحرر الفكري والجسدي الذي لربما لن يستطيع مجتمعنا التفكر فيها، دع عنك التفاعل معها. إذن، تعزيز الجاذبية الجسدية، سواء من خلال تغطية الجسد (كما في المفهوم الديني) أو من خلال تحريره (كما في بعض المفاهيم النسوية)، هو فعل لا يقلل من قدرات المرأة ولا يجب أن يستخدم بأي صورة كمقياس لجديتها أو ذكائها أو اتزانها العقلي أوالفكري. وأراني ما أتيت بشيء جديد، على رأي عادل إمام «رب قوم ذهبوا إلى قوم ما لقوهومش، خدوا تاكسي ورجعوا تاني»، وها أنا أعود بعد لفة طويلة لنقطة البداية، كل واحد حر.

اضف رد