الرئيسية / أضواء على / “تاريخ لبنان الكبير” لكمال ديب عن “المكتبة الشرقية”: أسباب تميُّز الهوية

“تاريخ لبنان الكبير” لكمال ديب عن “المكتبة الشرقية”: أسباب تميُّز الهوية

النهار
09102018

“تاريخ لبنان الكبير” (تعبيرية).

يصدر عن المكتبة الشرقية – بيروت – كتاب #كمال_ديب عن تاريخ لبنان الكبير وهذا بعض ما جاء في مقدمته:

أنا أحب لبنان وأحتفلُ باستقلاله عن فرنسا وأتطلّع للاحتفال بالذكرى المئوية لولادة “دولة لبنان الكبير” التي تحلّ في 1 أيلول سنة 2020. ومن هذا المنطلق، أرفض منطقَ الذين يسخرون من كيان لبنان ويعتبرونه مصطنعاً ذا تاريخٍ مزّيف وحدودٍ مركّبة. وغير مقبول منطق الذين يسخرون من رموز لبنان الثقافية والحضارية والاجتماعية. وبالمقابل، أرفض المنطق النعامي والعنصري المُعادي لسوريا ويتجاهل التاريخ المشترك بين البلدين والممتد منذ فجر التاريخ، ما يجعل – عبر تزييف الحقائق لأهداف سياسية – من لبنان جزيرة منعزلة عن محيطها.

الغلاف
. كتاب كمال ديب واللبنانيّون المقيمون كعبيد

استقلال لبنان هو أمر راهن لا جدال فيه، كما أنّ تاريخه الذي سبق العام 1920 هو أمر لا جدل فيه. بل إنّ التعرّف بالتاريخ العتيق يزيد من ثقة اللبناني بنفسه ويؤكد على صدقية الكيان أنّه لا يسلك درب الأكاذيب لتبرير ذاته. وهذا ما شرحه لي سيدنا المطران جورج خضر في برمانا. إذ قال لي إنّ عارضة منصوبة بين عكار وحمص لا تمنع المرء أن يلمس التواصل الجغرافي والبشري بين سوريا ولبنان في تلك المنطقة. وأنّ موقف الروم الأرثوذكس في لبنان كان ضد الانتداب الفرنسي عام 1920. ولكن مع مرور الوقت وتقاربِ الجماعات، باتَ ولاء الأرثوذكس هو للبنان. ومغزى قوله إنّ ثمّة أجيالاً وُلدت وترعرعت في دولة لبنان الكبير وبات لها هوية لبنانية ولا تحتاج اليوم للتنكّر للتاريخ المشترك الذي سبق العام 1920. والتواصل الاقتصادي والاجتماعي بين لبنان وسوريا فيه قوّة للبنان ومزيد من الاستقلالية عن التبعية للخارج.

كل لبناني سيجدُ أسباباً حقيقية للاحتفال – وبكلِ فخرٍ – بمناسبة ولادة لبنان الكبير. وهي أسبابٌ تاريخية وثقافية وعسكرية واقتصادية أعطت لبنان شخصيته المميّزة وهويته الفريدة ونذكرها هنا باختصار.

كمال ديب.

أولاً، على الصعيد الثقافي، لقد ذكرنا في كتابنا “تاريخ لبنان الثقافي” (المكتبة الشرقية – بيروت) أنّ النهضة العربية بدأت كنواة قوامها بيروت وحلب والقاهرة ثم انطلقت إلى بقية المدن والبلدان العربية. ولكن اتّضح لنا من البحث أيضاً أنّ بيروت بزّت كل مدن الشرق في حجم ونوعية مساهماتها في النهضة، سواء في انتاج القواميس العربية وعدد الشعراء والأدباء وصناعة الإعلام والصحافة باللغة العربية. حتى إنّ أولى الصحف العربية الصادرة في القاهرة كالأهرام مثلاً، والمجلات العلمية العربية والجمعيات العلمية والمؤسسات التعليمية وطباعة الكتب بالعربية، كان على رأسها لبنانيون. وبيروت استمرّت في ريادتها حتى مطلع الحرب عام 1975 وبقيت مركزاً مهماً وحيوياً للاشعاع والحضارة للعرب. وهي تواصل دورها هذا منذ انتهاء الحرب عام 1990 وحتى اليوم. وفي هذا العجالة، صحيح أنّ لبنان يتشارك بمعظم أوجه الثقافة مع جواره الإقليمي، ولكنّه أخذ التراث وانتقل به إلى كل البلدان. فرقصة الدبكة والفولكلور الغنائي الشعبي واللباس مشترك مع سوريا وفلسطين. غير أنّ لبنان طوّر هذا التراث وقدّمه حول العالم فنوناً راقية مع فيروز والأخوين رحباني والفرق الشعبية. وصحيح أنّ لبنان يتشارك في أصوله الفينيقية مع سوريا وفلسطين، ولكنّه نجح في سكب هويّته الوطنية بمسحة فينيقية استمرّت مع الأجيال الجديدة.

ثانياً، على الصعيد العسكري، تمكّن لبنان الصغير من دحر العدوان الاسرائيلي وتحرير أرضه جنوباً عام 2000 ثم بهزيمة اسرائيل مجدّداً عام 2006 وهزيمة الإرهاب التكفيري شرقاً عام 2017 في عملية “فجر الجرود”. فكان لبنان في الانتصارات بطلاً حقّق ما عجزت عنه دول عربية كبيرة. وهكذا سواء أكان اللبناني جندياً أم مقاوماً، فهو أظهرَ أنّه لا يتردّد في الدفاع عن كرامة الوطن الصغير وحرمة أراضيه.

ثالثاً، على الصعيد الاقتصادي، أوجد لبنان قطاعات اقتصادية واعدة، حتى باتَ في طليعة الدول العربية – النفطية منها – في المستوى المعيشي والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية كالمصارف والسياحة والتربية والتعليم والخدمات الصحية. وحتى في بعض الصناعات والمنتجات الزراعية كان لبنان مميّزاً.

رابعاً، على الصعيد السياسي، تمسّك لبنان بنظامه الديمقراطي الحر – رغم عيوبه وبخاصة في الثغرات الطائفية. وهو البلد العربي الوحيد الذي يشهد تغييراً دورياً في البرلمان والحكومات ومناصب السلطة الأولى، ولا يزال يعيش تجربة تعددية حزبية قلّ نظيرها حتى في دول الغرب، ويحتاج إلى عمل متواصل لمكافحة الفساد والمحاصصة.

خامساً، على الصعيد الاجتماعي، حتى في أشد سنوات الحرب ظلاماً من 1975-1990، لم ينهار التلاقي الاجتماعي اللبناني وبقي ثمّة حد أدنى من التعاضد. لقد ظنّ كثيرون أنّ لبنان يحتاج إلى عشرات السنين ليلتئم ويعود إلى السلم الأهلي وأصرّ حازم صاغية في كتابه “شعوب الشعب اللبناني” على تظهير الفروقات إمعاناً في تمويه الواقع الأكثر إشراقاً. ولكنّنا نرى اليوم أنّ التنوّع المناطقي في المذاهب قد عاد إلى كل لبنان والزواج المختلط بات شأناً عادياً. حيث بلغ عدد الزيجات المختلطة بين مسلمين سنّة وشيعة المليون شخص، وبين مسلمين ومسيحيين عشرؤات الألوف، في حين تشكّل مدينة زحلة الكبرى (امتداد عمراني واحد من شتورة إلى كرك نوح) أكبر حالة تنوّع ديني ومذهبي في لبنان خارج بيروت. وثمّة حياة مدنية لبنانية ناجحة، سواءً في مجالات الثقافة والفنون والإعلام، وفي النوادي والأحزاب وأمكنة العمل سواءً في الإدارات الرسمية وشبه الرسمية (مدارس، مستشفيات…) والمؤسسات الخاصة (مصارف، شركات، مصانع، القطاع السياحي). وهناك تزايد في الصداقات المختلطة في الجامعات الكبرى والمدارس.

سادساً، الحرية هي رسالة لبنان، باعتراف القاصي والداني أنّ لبنان هو أكثر من وطن. هو باختصار رسالة عنوانها الكبير هو الحريّة. لقد قابلتُ كثرين في حياتي وأجمعوا أنّ الحرية في لبنان أفضل من دول أوروبا وأنّ ما يكتبه المرء ويقوله في لبنان لن يستطيعه في أميركا وأوروبا، وهي بلاد تتغنّى بالحريات. وفي لبنان أيضاً تنوّع ملبحوظ في الجمعيات والأحزاب، والحياة السياسية والاجتماعية صاخبة بجميع ألوان قوس القزح وتثير فضول المراقب الخارجي.

في العام 2000، حضر الوزير عصام نعمان إلى كندا، وحكى قصّة معبّرة عن كونفوشيوس حكيم الصين ومدى توق الانسان للحريّة، فقال: “في سفرياته عبر الصين لنشر مبادئه لأخلاقية، التقى كونفوشيوس في عمق الأدغال الموحشة عائلة صينية تقيمُ هناك. لقد كانت هذه العائلة في حزن لأنّ نمراً مرقّطاً التهَمَ إبنها. فسأل كونفوشيوس: لماذا لا تقيمون في تلك البلدة التي تقع على طرف الغابة؟ وردّ أب العائلة: إنّ تلك البلدة التي تذكرها يحكمُها أمير ظالم. ونحن نفضّل حياة الحريّة ولو كنّا في الأدغال وتحت خطر الوحوش”.

كمال ديب أستاذ جامعي لبناني كندي صدر له عن المكتبة الشرقية بيروت كتاب “سورية في التاريخ من أقدم العصور إلى العام 2016”.

اضف رد