تاريخ الكراهية كيف ينتهي؟

على إمتداد التاريخ الحديث تقريباً بقيت العلاقات بين دول حوض المتوسط في قبضة الإهمال والتعامي والحساسيات الموروثة. لا أتحدث عن مراحل الإحتلالات فرنسا للجزائر وإيطاليا لليبيا وغيرهما، ولا عن مراحل الإنتدابات بعد الحرب العالمية وليس من داع لتعدادها، وبينها على سبيل المثال سوريا ولبنان والإنتداب الفرنسي، وكذلك مصر التي عرفت إنتداباً بريطانياً، مصر التي تستضيف الآن أول قمة عربية – أوروبية تحضرها ٤٦ دولة!

أول قمة بين دول تتقاسم حوض المتوسط، رغم أنه ليس من المبالغة القول إن بين دول شاطئ المتوسط العربي جنوباً، وشاطئ المتوسط الأوروبي شمالاً رمية حجر، بمقياس العلاقات بين الدول المتشاطئة، ولهذا لست أدري كيف يمكن قمة واحدة [مهمة جداً لمجرد عقدها]، ان تعالج تاريخاً طويلاً من التباعد الذي عمّقه وعد بلفور مثلاً، ثم العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦، والذي كانت القضية الفلسطينية دائماً محور خلافاته؟

لا ضرورة للعودة الى كل محطات الماضي البائس لهذه العلاقات، لكن التحدي الآن ليس في نسيان هذا الماضي فحسب، بل في محاولة ردم التفاوت الهائل بين شمال ديموقراطي حديث ومتطور وصناعي وتقني وعصري، وجنوب خرجت معظم دوله من الإنتداب الى الأنظمة الديكتاتورية ولو بغلاف إشتراكي، ثم إندفعت الى “ربيع دموي” مزق دولاً تمزيقاً، فمن ليبيا الى العراق مروراً بسوريا وصولاً الى اليمن ترتسم أكبر خريطة ركام في التاريخ!

في اعتقادي ان العنوان الذي أعطي للمؤتمر يحمل التحدي للجانبين في الجنوب كما في الشمال، فعندما نقول “في إستقرارنا نستثمر” يستطيع الأوروبيون القول لنا أعطونا الإستقرار وخذوا الإستثمار، طبعاً لأنه ليس هناك من أبله يلقي أمواله في نيران مشتعلة، لكن ليس في وسع العرب غير الرد بالقول، إذا لم تكن لنا قدرة على الإستثمار ولا نية فعلية لكم لمساعدتنا، فمن العبث الحديث عن الإستقرار. وهنا يمكن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية ان تقدم لكم نموذجاً مقلقاً مما عرفته من الهجرة التي ترتعدون منها خوفاً، كما ترتعدون خوفاً الآن من أولادكم الذين قاتلوا مع “داعش”، ويقعون في أسر “قسد” وترفضون إستعادتهم، وتلقون دروساً في الإنسانية وحقوق الإنسان على بلد مثل لبنان ينوء بعبء أكثر من مليوني لاجئ سوري، تماماً كما لو أنه دخل فرنسا مثلاً ٣٥ مليون لاجئ صومالي وسوداني.

الحديث عن الحوار العربي – الأوروبي قديم وعرف مناسبات عدة تلاحقت تحديداً بعد عام ١٩٧٣، ولكن دون التوصل الى نتيجة مفيدة، ومما يفاقم العقد التي تواجه التعاون بين الطرفين، أننا أمام عالم عربي منقسم ومفتت وأمام عالم أوروبي يتقدم بعد “بريكست” الى الإنقسام وربما التفتت! والتحدي الكبير الذي يرفعه شعار “في إستقرارنا نستثمر” يكمن في التوصل الى الحد الأدنى من التفاهم على مجموعة هائلة من العناوين: القضية الفلسطينية وحلّ الدولتين، قضية اللاجئين، مكافحة الإرهاب الذي يضرب أيضاً في قلب العواصم الأوروبية، الموقف من الإتفاق النووي والصواريخ وسياسات إيران وحرب اليمن، والصراعات المسلحة المستمرة في ليبيا وفي سوريا!

يتحدثون عن تعزيز الشراكة ولكن بين جانبين غير متساويين، وليس من الواضح كيف وعلى أي أساس، وخصوصاً وعلى سبيل المثال إذا كان لبنان الذي حظي بفرصة إنقاذ أخيرة من خلال “مؤتمر سيدر” الذي رعته فرنسا، لم يتردد المسؤولون فيه في ان يقدموا للأوروبيين عشية القمة، فصولاً إنقسامية متلاحقة ومحبطة جداً… ويحدثونك عن الإستثمار في الإستقرار!

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*