الرئيسية / home slide / تأملات في مستقبل المنطقة 3: جنرالات الجيل الجديد

تأملات في مستقبل المنطقة 3: جنرالات الجيل الجديد

17-02-2022 | 00:20 المصدر: “النهار”

جهاد الزين

“قد يرغب بايدن في إنهاء ارتباطه بالمنطقة، ولكن المنطقة قد لا تريد إنهاء ارتباطها به”
آرون ديفيد ميلر
 ~(خبير بارز في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي ومسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية)  في الستينات من القرن المنصرم شعرت نخبة من كبار رجال الأعمال والأكاديميين في #كوريا الجنوبية متحالفين مع الجيش أن وضع كوريا ج. منذ تقسيم شبه الجزيرة بين دولتين تابعتين كل منهما لمعسكر دولي أن وضع دولة الجنوب ينخره الفساد والتخلف، ولهذا سيقوم الجيش بانقلاب عسكري عام 1961 لتبدأ مرحلة طويلة من تشكيل حكومات بتوجيه عسكري تعطي الأولوية لبناء قاعدة تصنيع وتحديث اقتصادي ستسفر ليس فقط عن جعل كوريا ج. نمرا اقتصاديا بالصورة التي نعرفها فيها اليوم بل أيضا بالانتقال اعتبارا من العام 1996 إلى ديموقراطية مستقرة ومكافحة للفساد بشكل مثير للإعجاب كانت آخر حلقاتها إدانة رئيسة جمهورية سابقة وإدخالها السجن (أعفي عنهامؤخرا بعدما قضت جزءا من محكوميّتها).

دور الجيوش في قيادة التغيير السياسي في الدول رواية بل روايات طويلة. خلال الحرب الباردة انتهجت #الولايات المتحدة السياسة الشهيرة ضد امتداد الأحزاب الشيوعية المؤيدة للاتحاد السوفياتي فدعمت في الخمسينات انقلاب مصر ضد الملكية التي كانت قد تحوّلت إلى نظام سياسي متداعٍ وفاسد وضعيف مع طبقته السياسية التقليدية ثم في الستينات انقلاب الجنرال سوهارتو الذي ابتدأ بمذبحة طالت الشيوعيين وختمها الدكتور هنري كيسنجر كوزير لخارجية أميركا بدعم انقلاب الجنرال بينوشيه في أوائل السبعينات ضد الرئيس اليساري الفائز في الانتخابات سيلفادور ألليندي وطرده من السلطة.

كان منطق الحرب الباردة هو المسيطر في تلك الانقلابات وغيرها ولكن ليس كيفما كان… فحسب محضر شهير نشره محمد حسنين هيكل عن وثيقة لاجتماع في البيت الأبيض برئاسة الجنرال الرئيس أيزنهاور كانت واشنطن تنظر إلى “الكولونيل ناصر” على أنه بقيادته لدعوة القوميةالعربية هو “رجل المستقبل” في المنطقة وأن القومية العربية هي هذا “الاتجاه الصاعد” آنذاك وكانت الوحدة المصرية السورية قد شارفت على أن تكون أو هي أصبحت ناجزة.

فكرة الاتجاه الصاعد أساسية في التفكير الأميركي حتى أنها تشكل مصدرا لأخطاء سياسية جسيمة مثل ما بدا لفترة بعد اندلاع حركات”الربيع العربي” في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أن واشنطن تدعم اتجاه”الإخوان المسلمين” بأسماء تنظيماتهم المختلفة في عدد من البلدان وتبيّن لها بسرعة أن “الإخوان المسلمين” لا يحملون مشروع حكم قابل للعيش بل مشاريع حروب أهلية فقط لا غير.

لكن تُظهِر مذكرات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما “الأرض الموعودة” أنه ولو كان انتصر بالنتيجة الاتجاه الأميركي الذي أيّد تنحّي أوإسقاط الرئيس حسني مبارك في مصر غير أنه بعد تحقيق ذلك من غير الدقيق أن واشنطن دعمت “الإخوان المسلمين” كبديل. وفي الفصل25/من كتابه معلومات مثيرة

عن اجتماع أساسي لكل أركان الحكم في البيت الأبيض برئاسة أوباما، كيف انقسم كبار المسؤولين الحاضرين من مساعدي الرئيس بين كبار في السن مؤيدين لبقاء الرئيس مبارك في السلطة وبين المساعدين الشباب الداعين لرفع الغطاء الأميركي عنه وتلك تفاصيل مثيرةيمكنني للإيجاز هنا اختيار نقطتين مهمتين منها:

الأولى أن أوباما يكشف أن قيادة البنتاغون ساهمت وعبر اتصالات شخصية بمعنيين في قيادة الجيش المصري لحثهم على عدم القيام بأي خطوة تؤخر تنحي الرئيس مبارك، بعدم القيام بأي خطوة دعم له .

الثانية هي اتصال الرئيس أوباما بوزيرة خارجيته هيلاري كلينتون في ما يمكن اعتباره تأنيباً لها على تصريح أدلت به بعد اجتماع في اوروبا يُفهم منه دعم استمرار مبارك في الرئاسة. كان أوباما في تلك اللحظات يقوم في الواقع بضبط فريقه بما يتناسب مع قرار التخلي الاميركي عن مبارك. كانت هيلاري كلينتون بين الأبرز من المسنين في فريقه، كذلك جو بايدن نائب الرئيس يومها.

من سوهارتو إلى بينوشيه ومن عبد الناصر إلى فؤاد شهاب تغيّرت أجيال الجنرالات وتغيّرت أدوار الجيوش.وحتى من الجنرال حسني الزعيم الذي سيفتتح أول انقلاب عسكري في سوريا ويقال لكي يوقّع اتفاقية مد أنابيب التابلاين مع شركة أرامكو إلى الجنرال حافظ الأسد الذي سيكون بطل آخر انقلاب عسكري ولا انقلابات تستطيع أن تنجح بعده بالطريقة التقليدية. افتتحت حكومات انقلاب 1961 في كوريا الجنوبية زمنا إصلاحيًا خارج المفهوم الاشتراكي يقوم به الجيش وهو ما لم يستطع أن يقوم به جنرالات ميانمار (بورما) في مستويي الإصلاح الإثنين: الاقتصاد وإعادة الديموقراطية. سيقال يومها أن التحالف الوطني غير المعلن الذي يقف وراء انقلاب كوريا ج. سئم ورفض استمرار الدولة في دور الدولة الشحادة أو المتسولة عندما بقيت واشنطن طيلة الخمسينات ومنذالحرب الكورية تدفع 52 بالماية من الموازنة العامة للدولة ويذهب قسم كبير منها على الهدر والفساد في مجتمع متخلف وزراعي. ستنتهي هذه المسيرة بنجاح مزدوج وباهر: تحويل كوريا ج. إلى نمر اقتصادي صاعد بين نمور جنوب وأقصى شرق آسيا وإرساء نظام ديموقراطي.

هناك شيء شبيه حصل في تركيا بنجاح اقتصادي لكن بديموقراطية أقل، إنما هذا المسار المزدوج تعطّل، على الأقل في جناحه الديموقراطي بعد سيطرة “حزب العدالة والتنمية” على السلطة وتكريس سلطته بعد العام 2016. مع كل الشكوك التي ترافق إمكانات الاقتصاد التركي الذي يملك قاعدة هامة تحديثية.

أما في السودان فرغم استمرار أدوار المؤسسة العسكرية فلم يترك الجنرالات السودانيون سوى بلد ضعيف ومنكوب وفاقد لاستقراره بينمافي مصر المجاورة نجحت المؤسسة العسكرية في منع الحرب الأهلية التي حاول “الإخوان المسلمون” زج مصر فيها. و مصراليوم وقد أصبح خطر الإرهاب وراءها تذهب في اتجاهات إصلاحية مهمة.

يتجدّد اليوم في مصر دور لجنرال يشعر أن عليه أن يقوم بأعمال كبيرة، (القاهرة الجديدة، فرع جديد لقنال السويس)، ومعهما تحفيزمتواصل للاقتصاد بانتظار تجديد استيعاباته في بلد المائة مليون نسمة. الأخبار عن مصر إيجابية جدا هذه الأيام كبيئة مشجِّعة للأعمال والاستثمارات فهل سينجح جنرالات مصر الذين يوسِّعون أدوار الجيش في الاقتصاد في دفع مصر نحو أن تكون نمرا اقتصاديا في المنطقة فيما يبدو أن هذا البلد، مصر، نجح عكس كل محيطه السوداني والسوري واللبناني والعراقي والليبي المهتز في إظهار مقدرة على حمايةدور فعال للدولة أمني وسياسي اقتصادي وبذلك يكون رهان واشنطن الأصلي على مصر قد نجح من حيث هي بكل جدارة واحة استقراربل واحة الاستقرار الأولى في المنطقة حتى لو تخللت العلاقة الاستراتيجية بين البلدين والقائمة منذ اتفاقات كامب دايفيد بعض التهديدات الاميركية المحدودة بتخفيض المساعدة السنوية لمصر البالغة 1,3 مليار دولار تحت ضغط بعض المنظمات غير الحكومية.

عاد دور الجيوش في المنطقة كقوى إصلاحية لاقتصادات دولها وبأيديولوجية لم تعد هي أيديولوجية الخمسينات الاشتراكية بل بمفاهيم التحديث الرأسمالي مع حس متقدم على المستوى الاجتماعي.

المسألة العميقة المطروحة هنا هي مدى الاختلاف بين بلد وآخر في العقد الوطني بين المجتمع والدولة. في مصر هذا العقد متين وناجزتاريخيا، وحتى اعتراضات بعض النخب الليبرالية على بعض الممارسات القسرية، لم تخرج ولا تريد أن تخرج عن هذا العقد بين الجيش والدولة كصمام أمان للاستقرار.

لا نستطيع القول أن هذا العقد متوفِّر في بعض الدول الأخرى خصوصا تلك التي خاضت حروبا أهلية والمصابة ب “تروما” الحرب الأهلية. ومن حسن الطالع أن نوعا ما من هذا العقد بين المجتمع والجيش عاد يتوفر في لبنان بمعزل عن حدود التفاهم.

يكاد يكون بل يصبح كل قائد للجيش رئيسا للجمهورية في لبنان. هذا يرتّب مسؤولية كبيرة طبعا على الجيش خصوصا في ظل تنامي الاجماع على الجيش وتراجع التفاهم حول دور أي حزب داخلي.

السؤال الكبير لو عدنا إلى سؤال أيزنهاور: ما هو الاتجاه الصاعد؟ ما هو هذا الاتجاه اليوم في لبنان والمنطقة؟ هل ما يتشكّل في البحر الأبيض المتوسط من شبكات تعاون حول الغاز ومرافئ التجارة هو الاتجاه الصاعد الذي قد يجد اللبنانيون صيغة مرنة للانخراط فيه في الجزء المتعلق بهم بعد أن يوافق عليها الإيرانيون (معادلة لا للتطبيع – نعم لما توافق عليه الدولة اللبنانية) وقد تكون، أو لا تكون جزءا منملحقات ما بعد الاتفاق النووي الأميركي الإيراني.

j.elzein@hotmail.com
Twitter: @ j_elzein