الرئيسية / أضواء على / «بي بي سي» تكتشف كنوز بيروت الفنيّة

«بي بي سي» تكتشف كنوز بيروت الفنيّة

 

محمد موسى
الحياة
29062018

من برنامج «بيروت: دليل عشاق الفن» (الحياة)

يحدث أحياناً أن تتفوق قنوات أجنبية على قنوات محلية في تغطياتها لمواضيع وقضايا تخص بلدان معينة، لأسباب مهنية حيناً، وأحياناً أخرى لاعتياد العين الإعلامية المحلية على ما حولها، وتوقفها عن الاندهاش، وكسلها بتقدير الثروات والكنوز التي تحيطها، بحيث أنها ستحتاج لجهة أجنبية لتعيد التذكير بما تملكه. هذه هي الحال مع برنامج قناة «بي بي سي» الجديد «بيروت: دليل عشاق الفن»، والذي قدمه جانينا راميريز والستير سوك، ويذكر على نحو مدهش بالمشهد الفنيّ الغني الذي تملكه العاصمة اللبنانية بيروت، والضائع في صخب السياسة والصور السياحية الشائعة عن الحاضرة العربية.

من كنيسة سيدة لبنان الى المسجد العمري الكبير في وسط بيروت التجاري، ومن التاريخ الغائر في القدم لبيروت، والذي ترك آثاراً عدة له في مناطق في المدينة، الى جدارية غرافيتي حديثة للمطربة الكبيرة صباح والتي تزين اليوم أحد مباني شارع الحمرا في بيروت، سيتنقل البرنامج البريطاني الذي عرضته القناة الثقافية الرابعة، كاشفا المشهد الفنيّ في بيروت الحيّ والمتعدد الطبقات، والمتفاعل مع الأحداث العاصفة التي شهدتها المدينة.

يبدأ البرنامج رحلته من كنيسة سيدة لبنان التي بنيت على نحو عصري في عام 1968، وتطل اليوم من على أحد جبال بيروت على المدينة. يتميز تصميم الكنيسة بحداثته الجريئة، حيث يخالف التصاميم المعتادة للكنائس. في حين يبرز بناء جامع العمري الكبير تاريخ المدينة الطويل، إذ إن الجامع الذي يقع في قلب المدينة القديمة، ويعد واحداً من أقدم بناياتها، شيده مقاتلون صليبيون، من الذين كانوا يأتون من مناطق مختلفة من العالم للشرق، وبعدها تحولت الكنيسة إلى جامع، وما زالت آثار كل فترة ماثلة حتى اليوم.

يفرد البرنامج مساحة من وقته لوسط بيروت الذي دُمرَّ في الحرب الأهلية اللبنانية، والذي عندما تم بناؤه مرة أخرى تم التعتيم على ما حلَّ به من دمار، قبل أن ينتفض مجموعة من أبناء المدينة، والذين رغبوا في الاحتفاظ بتذكار دائم من تلك السنوات، وهذا ما حصل مع ما يعرف اليوم بـ «بيت بيروت» الذي ما زال يحتفظ بكل دمار الحرب تلك، وأصبح اليوم مزاراً للذين يريدون أن يتعرفوا الى تاريخ المدينة الحديث بكل عنفه وقسوته.

ومن مناخات الحرب ذاته، سيزور البرنامج غاليري صالح بركات، حيث تعرض لوحة الفنان اللبناني الراحل عبد الحميد بعلبكي الشهيرة «الحرب الأهلية»، والتي تختزن كل صور الحرب المدمرة تلك. كما سيتجول البرنامج في ما يعرف بالخط الأخضر، الذي كان يفصل بين بيروت الشرقية والغربية في زمن الحرب الأهلية.

بعيداً من الحرب، سيزور البرنامج قصر سرسق، الذي بناه نقولا سرسق وجمع فيه بين العناصر الشرقية والأوروبية على صعيد تصميم المبنى واختيار الأثاث، والمؤسسة العربية للصور في منطقة الجميزة في بيروت، والتي تحتفظ بصور فوتوغرافية نادرة جداً من تاريخ المدينة، منها صور التقطها طبيب فرنسي سكن بيروت في أوائل القرن العشرين، وكانت صوره الأولى التي تسجل الحياة اليومية في المدينة.

ولا يكتمل الحديث عن بيروت من دون المرور بسكانها، الآتين من خلفيات متعددة، والذين أثروا بطرقهم المشهد الفنيّ في المدينة، مثل الأرمن الذي يسكن قسم كبير منهم في منطقة برج حمود في أطراف بيروت، والتي سيزوره البرنامج البريطاني، حيث سيحاور مجموعة من سكان الحي المشغولين بحرف وجمعيات تهتم بتاريخهم.

كما سيسلط البرنامج الانتباه على عمارة بيروت الحديثة، عبر التركيز على بناية مثيرة للجدل بسبب تصميمها، حيث تخلو من الجدران،التي استبدلت بألواح زجاجية. يحاور البرنامج مصمم البناية تلك، المهندس المعماري اللبناني المعروف برنارد خوري، الذي يكشف الأفكار الخاصة خلف التصميم. ومن شارع الحمرا سيبيَّن الفنان التشكيلي يزن حلواني الدافع وراء جدارية الفنانة صباح التي أنجزها هناك، فهو باختياره لفنانة عاشت حياتها كما أرادت وبحثت دائماً عن السعادة، هو بيان ضمني ضد الفكر المتزمت الواحد الذي يغزو بلدان عربية كثيرة.

ولعل الفقرة الخاصة بمتحف بيروت، هي أكثر فقرات البرنامج البريطاني عاطفية وتأثيراً، حيث أن المتحف لا يضم فقط كنوزاً ومقتنيات شديدة الأهمية، لكن ما حدث في داخل المتحف وخارجه أثناء الحرب الأهلية اللبنانية يستحق الكثير من الاهتمام والإعجاب بإخلاص موظفي المتحف، إذ بعد أن تحول المتحف نفسه لساحة قتال فعليّة، قام الذين يشرفون عليه بتغطية بعض القطع الثمينة فيه بجدران خرسانية. وعندما حان رفع هذه الجدران وبعد انتهاء الخطر عليها، كان موظفو المتحف يذرفون الدموع الغزيرة، في مشاهد أرشيفية حفظت من ذلك الزمان، وأعاد البرنامج البريطاني عرضها.

اضف رد