الرئيسية / home slide / بين نووي الشاه ويورانيوم الخميني: نظرة أمريكا الحولاء

بين نووي الشاه ويورانيوم الخميني: نظرة أمريكا الحولاء

 صبحي حديدي
القدس العربي
07032021

لا يليق بأصحاب المنطق السليم، عند مقاربة الاستعصاء الراهن بين طهران ومجموعة 5+1 حول إحياء اتفاقية 2015 الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، أن يغضوا الطرف عن سلسلة حقائق ناظمة لا تخصّ حاضر الاتفاق فقط، بل لعلها تستعيد بقوّة بعض المعطيات التي اكتنفت ماضيه أيضاً. وقد تكون الولايات المتحدة هي القاسم المشترك بين الحاضر والماضي، ليس لأنّ الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انقلب على الاتفاق فحسب، بل كذلك لأن بدايات البرنامج النووي الإيراني إنما ترتدّ إلى الولايات المتحدة أيضاً؛ قبل أزمنة طويلة من استقرار السلطة في إيران بأيدي أمثال المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيراني حسن روحاني، فضلاً عن عشرات العلماء والخبراء الإيرانيين العاملين في البرنامج، أمثال محسن فخري زاده الذي اغتاله الإرهاب الإسرائيلي مؤخراً.
ففي أيام الشاه رضا بهلوي انقلب البرنامج النووي الإيراني إلى بند حاضر في ألعاب التناحر بين واشنطن وموسكو خلال عقود الحرب الباردة، وكانت الولايات المتحدة سباقة إلى تزويد طهران بمفاعل نووي طاقته 5 ميغاواط، كما زودته بالوقود اللازم (اليورانيوم المخصب، إياه!)، وتولت إقامة منشآت لتخصيبه في إيران. وكان هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأشهر خلال أطوار الحرب الباردة على الأقل، هو الذي وقّع ما عُرف باسم «مذكرة القرار الأمني 292»، التي أرست دعائم التعاون النووي الأمريكي ـ الإيراني، كما وقّع الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد أمراً إدارياً يتيح لإيران شراء وتشغيل منشأة لفصل البلوتونيوم (المرحلة الأعلى على صعيد تصنيع القنبلة النووية!).
في عبارة أخرى، البرامج النووية، «سلمية صناعية» كانت أم «حربية عسكرية»، هي رهن السياسات في المقام الأوّل؛ وبالتالي فإنّ إيران الشاه مسموح لها أن تكون نووية، وإيران الخميني ممنوع عليها ذلك؛ تماماً كما أنّ أحداً في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يستطيع تفتيش المنشآت النووية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك المدير الأسبق المصري محمد البرادعي، الذي اكتفى بالتحليق فوقها على متن حوّامة. وهذه حقيقة صلبة ثانية، حتى إذا كانت محض نتيجة بديهية لا طائل وراء السجال حولها، أو حتى وضعها على قدم المساواة أو المقارنة مع برامج أخرى نووية في آسيا أو أفريقيا.
حقيقة ثالثة، لا تفلح في التخفيف من وطأتها المساعي الإيرانية اللاحقة التي عملت على زيادة التخصيب من باب الردّ على انسحاب ترامب من الاتفاقية، هي أنّ الاتفاقية تُلزم إيران بتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم من 5% إلى 3.67%؛ وحظر بناء منشآت جديدة للتخصيب، وإيقاف إنتاج مواد انشطارية في منشأة فوردو طيلة 15 سنة، وتخفيض مخزون اليورانيوم الضعيف من 10.000 كغ ساعة التفاوض على الاتفاقية إلى 300 كغ فقط؛ والإبقاء على 5060 جهاز طرد من طراز أدنى، ووضع جميع أجهزة الطرد الأخرى تحت تصرّف الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وتكليف هذه الوكالة بمراقبة جميع المواقع النووية الإيرانية، وتعزيز صلاحياتها؛ والسماح لمفتشي الوكالة بالدخول إلى مواقع عسكرية غير نووية…
حقيقة رابعة هي أنّ الاتفاقية انقلبت إلى ميدان جديد، ولكنه بالغ الحساسية وخطير التفاعل، يُذكي الصراعات دائمة الاحتدام بين «المتشددين» و»المعتدلين» في الداخل الإيراني من جهة أولى؛ ولكنه، من جهة ثانية، يُشعل الشارع الشعبي على نطاق واسع بالنظر إلى جدوى الاتفاق، مقابل انعدام جدواه، بصدد الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، وتخفيف أثقال الضائقة المعيشية التي يعاني منها المواطنون، والإفراج عن عشرات المليارات من الأصول والعوائد الإيرانية المحتجزة في الخارج…
وإذْ يصحّ أنّ الرئيس الأمريكي الجديد يختلف عن سَلَفه في قراءة الملف، عند هذه أو تلك من جزئياته، فالأصحّ في المقابل أنّ جوهر النهج الأمريكي تجاه امتلاك الشعوب للطاقة النووية يظلّ متماثلاً، ناقصاً ومنتقِصاً؛ بالنظرة الحولاء ذاتها بين نووي الشاه ويورانيوم الخميني!

صبحي حديدي