بين فيروز وباريس صوت أزال كل الفوارق

 

النهار
أرشيف
06092018


فيروز.

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبته الهام نصر تابت في “النهار” بتاريخ 16 تموز 2002، حمل عنوان “بين فيروز وباريس صوت أزال كل الفوارق”.

بين فيروز وباريس ودّ عقدت اواصره منذ سنوات طويلة وتجلى في مناسبات عدة بكثير من الشغف والتقدير. كرّمت فرنسا فيروز رسمياً مرتين، واحتفلت بها الصحافة ووسائل الاعلام الفرنسية، كما خصّها كبار الفنانين الفرنسيين بلفتات تعبر عن عمق تقديرهم. هنا استعادة لابرز فصول التكريم الفرنسي لمطربتنا الكبيرة التي احيت اخيراً حفلتين في مسرح بلاييل. عام 1975 لبت فيروز دعوة صديقتها المطربة الكبيرة ميراي ماتيو فزارت باريس حيث سمعها الجمهور الفرنسي تغني للمرة الاولى. يومها ظهرت فيروز على شاشة التلفزيون الفرنسي ضمن برنامج “الرقم 1 – خاص ميراي ماتيو”، الذي خصصت حلقاته لعشرة من كبار ممثلي الغناء في العالم. “زمن فيروز” رافق فيروز في زيارتها تلك عاصي ومنصور الرحباني، واعتبرت وسائل الاعلام العالمية وجود فيروز في باريس حدثاً فخصصت له تغطية واسعة. وتحت عنوان “فيروز اللامثيل لها” قالت وكالة “غاما” الفرنسية: “فيروز لدى الجماهير الصعبة الارضاء، عربية كانت ام اجنبية، احدى اهم المغنيات المعاصرات، وسواء انشدت الحب، السحر، او الحنين الى الوطن، تبلغ ذروات مدهشة ذات تأثير لا يضاهى. ربما يأتي يوم يطلق فيه اسم زمن فيروز”. وكميراي ماتيو كبار رواد الاغنية الفرنسية عبروا عن تقديرهم لفيروز بطريقة مختلفة. جورج موستاكي، شارل ازنافور، جو داسان، وداليدا، جميعهم قصدوا منزل فيروز اثناء زياراتهم الى لبنان، كما كانوا يقصدون بعلبك وجبيل والارز وسواها. في الاولمبيا عام 1979 وقفت فيروز على خشبة واحد من اكبر مسارح عاصمة الفن، الاولمبيا. هناك احيت حفلتين حفظت لهما باريس مساحة رحبة في ذاكرتها. ففيروز التي حملت لبنان في صوتها واغانيها، لاقت في باريس ترحيباً استثنائياً واستقبالاً شعبياً حاشدا واهتماماً رسمياً واعلامياً حاراً. “فيروز في الاولمبيا، حب من لبنان”، “لبنان وفيروز والحب على مسرح الاولمبيا”، “السلام والحب ولبنان من فيروز اليكم”، بعض ما قالته المدينة مرحبة بفيروز التي انشدت لباريس اغنيتها “باريس يا زهرة الحرية، يا دهب التاريخ يا باريس”. وبينما تولت اذاعة مونتي كارلو نقل الحفل مباشرة كان اللبنانيون والعرب والفرنسيون ينصتون في الاولمبيا الى غناء امرأة جمعت في صوتها اسرار الجمال، غناء فيروز كان تأكيداً لنضالها في سبيل وحدة بلدها، وريع الحفلتين خصص للاطفال اللبنانيين ضحايا الحرب. وسام وتكريم تمر السنوات ويتجدد الموعد في العام 1988 في برسي. وباريس هيأت هذه المرة استقبالاً يليق بالمرأة التي اضحت ايقونة في وجدان الملايين. فباسم رئيس الجمهورية (فرنسوا ميتران) والحكومة الفرنسية، قلّد وزير الثقافة جاك لانغ فيروز وسام الآداب والفنون من رتبة كومندور، وذلك في احتفال كبير حضره حشد من الديبلوماسيين والادباء والفنانين والشخصيات. يومها القى وزير الثقافة الفرنسي كلمة رائعة قال فيها ان فيروز هبة من الله ومن لبنان ومن المعجزة. ومما قاله: تملكين سيدتي صوتا اكبر من ذاكرتنا وحنينا الى هذا اللبنان الذي كان فردوسا ارضيا، وبرهانا حيا عبر عشرات السنين على التكامل الضروري والمثري للثقافات والاديان والاثنيات. كنت تغنين امام أعمدة بعلبك وكانت وآلهة الرومان وآلهة الفينيقيين تبتسم وتنصت اليك. جعلت نفسك ليس فقط سفيرة لبنان الى النجوم، ولكن ايضا رمز مجموعات ترفض ان تموت ولن تموت”. واذ اعتبر لانغ ان صوت فيروز استثنائي فعلا ولا يمكن الاستماع اليها من دون الاحساس بتأثر حاد حتى لو لم نفهم كلمة واحدة. قال ايضا ان اغانيها فريدة ولا يمكن تقليدها. وان صوتها يمثل نقاء البداهات الاولى والبداهات التي لا تسمح بأي تواطؤ. وخاطبها قائلا: “انت من الذين يحفظون وجود لبنان من رياح الحرب وموجات الاضطهادات”. بدوره وزير خارجية فرنسا السابق رولان دوما التقى السيدة فيروز في مقر الوزارة تعبيرا عن تعاطف بلاده مع لبنان. وفيما اعتبرت دوائر الوزارة اللقاء بين وزير خارجية وفنانة حدثا استثنائيا، قال دوما خلال اللقاء: “فيروز ممثلة رائعة للبنان”. العمود السابع للهيكل على المستوى الاعلامي شغلت زيارة فيروز الى فرنسا وسائل الاعلام المختلفة على مدى اسبوع. القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي قدمت حلقة خاصة من برنامج فريديريك ميتران “دو كوتيه دي فريد” عن فيروز، واستضافت الحلقة عددا من الادباء والفنانين والمسؤولين الذين قدموا شهاداتهم في فيروز وفنها وما تمثل. من بين هؤلاء الروائي الطاهر بن جلون ورئيس بلدية تولوز دومنيك دوبيس، ومندوب جامعة الدول العربية في باريس حمادي الصيد، والمخرج السينمائي اللبناني برهان علوية، والملحق الثقافي في السفارة اللبنانية في باريس عبدالله نعمان. وخصصت الصحف والمجلات قسما كبيرا من عناوينها وصفحاتها الاولى للحديث عن فيروز وعن حفلتها في برسي التي حضرها نحو 10 الاف شخص. جريدة “لوموند” وصفتها ب”العمود السابع للهيكل” وقالت ان صوتها هو “صوت الاصوات”. و”الليبراسيون” التي خصصت لها صفحة كاملة اعتبرتها “فيدرا لبنان”. وقالت “الاكسبرس”: “قليل ان نصفها بنجمة او اديث بياف الشرق، ربما شيء من هذا القبيل. انما يجب ان نضيف اليها بياف زائد البيتلز وبوب ديلون. انها التجسيد الحقيقي للبنان”. تناولت الصحافة الفرنسية في مناسبات كثيرة فيروز وبكثير من الحب. وجهد كتابها في استنباط الاوصاف الملائمة للظاهرة الفيروزية. ومن المقالات والتحقيقات حول فيروز تستوقفنا “ار فرانس مدام” التي قالت عام 1989 ان صوتها يمحو الحواجز والفوارق ويحمل الحياة والفرح. الى “ماري كلير” التي اعتبرتها امرأة 1994. و”الاكسبرس” التي اعتبرتها عام 1995 واحدة من مئة امرأة يحركن العالم. وسام للشجاعة ونعود الى المبادرات الفرنسية الرسمية حيال فيروز. ففي العام 1997 سلم السفير الفرنسي في لبنان جان بيار لافون الى السيدة فيروز، وسام جوقة الشرف. وقال لافون في المناسبة “ان رئيس الجمهورية الفرنسية جاك شيراك أراد بمنحه هذا الوسام الرفيع للسيدة فيروز، تكريم الاشعاع العظيم الذي يجسده صوتها، وتكريم شجاعة هذه السيدة التي رفضت اخضاع صوتها لقضية ما الا لوحدة اللبنانيين”. عام بعد ذلك تجدد موعد فيروز مع التلفزيون الفرنسي وتحديدا مع المخرج فريدريك ميتران. وكان اللقاء عبر فيلم وثائقي تناول حياة المطربة ومسيرتها الفنية. والفيلم أتى ضمن سلسلة “ميوزيك بلانيت” التي تناولت سيرة عدد من كبار المغنين في العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*