بين ذكاء إصطناعي وغسيل أموال ، قالت لي الشقراء

شربل نجار
هنا لبنان
27072019



في أواخر  ثمانينيات  القرن الماضي بدأتُ العمل  في ما عرِف ويُعرف بالتوثيق  الإلكترونيّ . وحتى  تسعينيات ذلك القرن كانت هذه المهنة  حديثة العهد يمتهنها قلة من الناس حول العالم.

كنا  نحن مجموعة ” خوتان ” جمع “أخوت”  من بلاد جبيل وكسروان  والمتن وعلى رأس مجموعتنا ” أخوت كبير” من أصول حلبية  صاحب باع طويل في عالم الهندسة الكهربائية والإلكترونية.

عبرنا إنتحارات الإخوة وكوارث حروب الغير الى البحث عن عمل بالعملة الصعبة لنعتاش ونعيل. فتوجهنا نحو آلات الذكاء الإصطناعي واخترنا  آلة مزودة ببرامج معقّدة  تقرأ الحرف وتطبعه في آن دون اللجوء الى مساعدة إنسان. وبعدها صارت تلك الآلة مدعومة بوسائل إلكترونية تقرأ وتصوّر بسرعة تفوق سرعة  أمهر الطابعات بأميال  و تتخطى حرفيّة  أدق  وأسرع المصوّرين بأشواط.

نحن ” الخوت” تمكّنّا من هذه الآلات ، طوّعناها فأطاعتنا.  منا من عمل عليها  وآخرون  حملوا الشنطة ، ” كشة” زمان الأولين ،  وداروا على بلاد الله اللاتينية  والجرمانية والأنجلوسكسونية يعرضون خدماتهم على من يفتح لهم بوابات  الرزق.

والظاهر أن أوروبا كانت  أثناءها بحاجة الى هذا النوع من الخدمات . ففتحت لنا  شركاتها الخاصة خزائنها كما إستقبلتنا  مؤسساتها  الرسمية  بالترحاب.

بجهدنا “برم الدولاب” لصالحنا حتى صار زبائننا كثرًا فأخذتنا السُّبُلُ يوما باتّجاه  مطابع السوق الأوروبية المشتركة التي عرضت علينا  عام 1996 أن “نوثّق” لها كامل أرشيف  الجريدة الرسمية الأوروبية إبتداء من عام 1952 تاريخ  إنطلاق ذلك السوق  بدول ثلاث   عرفت  بدول البينيلوكس أي بيلجيكا والأراضي المنخفضة أو النيدراند (هولند) واللوكسمبور  ثم  انضمت اليها فرنسا.

وسرعان ما ازدادت البلدان المنضوية وتزايدت لغات الجريدة الرسمية،  اللغات المعمول  بها داخل إدارات ومؤسسات السوق ،حتى بلغت 11 لغة عام 1996.

لقد نجحنا في توثيق الجريدة الرسمية الأوروبية بالفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية والدانمركية والسويدية والهولندية  والفنلندية والإسبانية والبرتغالية واليونانية . وجعلنا الآلات الإلكترونية الذكية تنتج ونحن  نراقبها ونساعدها ونصحح أخطاءها بوسائل دهرية وجهل تام بمعظم تلك اللغات . غير أنّنا  استطعنا تسليم أطنان من الجريدة الرسمية مصورة ، موثقة  ، محمّلة على أقراص هائلة الحجم والإستيعاب وضعناها بتصرّف دوائر السوق خالية من أي نوع من أنواع الأخطاء  ، معلومات جاهزة للإستعمال استرشادا أو بيعا لصاحب حاجة في التخزين.

هتفت لي في أحد الأيام من اللوكسمبور إحدى مديرات التوثيق في السوق الأوروبية وأعلمتني بقرب زيارتها لبنان عساها تتعرّف عن قرب الى  طرائقنا في الإنتاج فهشّينا وبشّينا في بيروت وأعلنّا أننا بانتظارها على أحرّ من الجمر.

وما هي إلا أسابيع حتى وصلت تلك الشقراء الى لبنان فاستقبلناها أحسن استقبال وأطلعناها على أدق تفاصيل الإنتاج ثم “برّمناها” على محترفاتنا وعرّفناها على كبار موظفينا وبطاريات إنتاجنا المزروعة في ثلاث قرى جبلية.

وفي طريق العودة من قرطبا آخر الضياع التي زرنا محترف الإنتاج فيها  بادرتني بالسؤال التالي : ” ما هي المهن الغالبة في لبنان” ؟ فأجبت : “التجارة والخدمات”.

قالت : السيارات على طرقاتكم  حديثة ووثيرة  ومعظمها من اللون الداكن وأنتم خارجون لتوكم من حروب مدمّرة!

أجبتها أن في الأمر غرابة ولكن …..

ولكن الروائح كريهة  قالت ، تنبعث من كل ما ترتدون  أو تستقلّون  أو تأكلون . فصدمت وصرت أجول بنظري وبحاسة الشمّ عندي عساني أهتدي الى مصادر تلك الروائح الكريهة.

وعندما لاحظت أنني في حالة متقدّمة من الهلع ابتسمت وبادرتني :

لا لا أنا أتحدّث عن  روائح التهريب والبلطجة  وغسل الأموال والإتجار بالممنوعات فالروائح التي تنبعث من مختلف زوايا بلادكم روائح كريهة.

كانت تلك الشقراء قد قرأت الكثير عن بلادي قبل أن تأتي إليه وإلينا.

هكذا قالت لي الشقراء في ختام جولتها على عرق جباهنا  في ضياع جبالنا!

كانت تلك الشقراء الجميلة الصريحة  تطل على عالمنا  من بلد يدعى  الدانمارك. وكنا نحن نغرق في مزابلنا حتى الطوفان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*