الرئيسية / home slide / بين تقاليد التروبادور وقصائد العذريين العرب: تراثنا الشعري والغرب

بين تقاليد التروبادور وقصائد العذريين العرب: تراثنا الشعري والغرب

عبد الواحد لؤلؤة

لا أحسب لغة من لغات الأرض تخلو من الشعر، الذي قد يتأثر بشكل أو بآخر بشعر لغات أخرى، في الشكل أو في المعاني، على قدر اتصاله بشعر لغات أخرى. فأنا لا أعرف مثلا مقدار تأثر شعر «الهايكو» الياباني بالشعر الصيني أو مدى تأثر هذا بذاك، وأترك الأمر للمتخصّصين.
ولكن الأقرب إلى المنال متابعة الشعر الأوروبي الذي بدأ بالتطوّر في نهايات القرن الثاني عشر الميلادي. فمن المعروف أن الشعر الإغريقي قد ازدهر في القرن السادس قبل الميلاد (سافو 620-550 ق.م.) وأن الشعر اللاتيني قد ازدهر في أعمال أوفيد (43ق.م- 17م) كما في كتابيه «فن الحب» و«علاج الحب». ولكن السؤال: هل كان في القرون الوسطى الأوروبية شعراء يكتبون عن الحب باللاتينية في غير الموضوعات الكنسية وفي غير محبة السيدة العذراء والسيد المسيح؟ ليس في كتب التاريخ ما يجيب عن هذا السؤال، وليس معنى هذا أن أهل العصور الوسطى لم يعرفوا الحب الإنساني الدنيوي. ففي أثناء بحثي في هذا الموضوع عثرت على قصيدة نادرة باللغة اللاتينية من عمل راهبة خبّأتها بين الكتب في مكتبة أحد الأديرة، والقصيدة مُفعمةٌ بتعبيرات لاهبة عن الحب البشري.
ولكن الموقف من المرأة، كما نجده في التراث الإغريقي، يصعُب أن يؤدى إلى شعر يتغزل بالمرأة ويُعلي من شأنها. فهذا ديموسثينوس كبير خطباء أثينا يقول: «لدينا محظيات من أجل لذتنا، وسرايا لحاجات أجسادنا اليومية، وزوجات لإدارة شؤون بيوتنا وليحملوا لنا أطفالاً شرعيين». وفي بداية العهد الرومي نجد أوفيد يقول في كتابه «علاج الحب» إنه لا يجد في المرأة سوى مصدر لذّة جسدية. وفي عصر الانبعاث نجد ليون باتيستا البيرتي ( 1404- 72) يقول في كتابه بعنوان «الأعمال السائرة» إنهن جميعاً مجنونات، مليئات بالقمل…النساء».
كيف نضع هذا الموقف من المرأة في التراث الأوروبي حتى ظهور الشعراء التروبادور في بداية القرن الثاني عشر، إلى جانب الموقف من المرأة في التراث العربي، كما تصوِّره غزَليات العذريين مثلا؟

وقد استمر هذا الموقف الأوروبي تجاه المرأة كما نجد في أعمال الشعراء الأوروبيين على امتداد العصور. ففي قصيدة تراثية كبرى من الشعر الإنكَليزي هي «ملحمة بيولف» التي تعود إلى القرن الثامن الميلادي لا نجد أي احتفاءٍ بالمرأة فيها لا سلباً ولا إيجابا، بل هي مذكورةٌ بشكل عرضي كأن تكون إبنة فلان أو زوجة فلان. لكن هذا جميعه تغيّر فجأةً في القرن الثاني عشر الميلادي بظهور الشعراء التروبادور في الجزء الجنوبي الغربي من فرنسا الحالية: يكتبون الشعر الذي يتغزّل بالمرأة وذلك بلغة «أوك» أي الأوكسيتانية، وهي من العامّيات اللاتينية، فصار الباحثون المعاصرون يتساءلون عن مصدر هذا الشعر: فمن قائل إن جذوره تعود إلى الشعر اللاتيني، ولكن الأبحاث المنصفة قد بيّنت أن ليس في الشعر اللاتيني أو الإغريقي السابق عليه ما يشبه موضوعات الشعراء التروبادور، لا في الشكل ولا في المعنى. فأول الشعراء التروبادور الأمير كَيّوم التاسع ( 1071- 1127) لم يكن يعرف من اللاتينية أكثر من بعض الصلوات التي يردّدها في الكنيسة التي نادراً ما يزورها.
إن الاختلاط بين المسلمين الفاتحين لبلاد الأندلس، من عرب وأمازيغ، قد دخلوا البلاد وتزوّجوا من الإسبانيات بعد إسلامهن أو حتى عند بقائهن على النصرانية، كانت النتيجة الطبيعية لذلك أن الأجيال الأولى من تلك الزيجات كانوا يتكلمون العربية لغة الأب والإسبانية «لَطينيّة» الأندلس لغة الأم، ما جعل التفاهم بين الفاتحين وبين أهل البلاد مسألة ميسورة.
ولأن هؤلاء الفاتحين هم شعراء بالفطرة فكان ما يردِّدونه من شعر عربي جذوره في المشرق العربي، وأغلبه في موضوعات الحب الدنيوي، قد استهوى الأمير الشاعر كَيّوم فصار يكتب شعراً في شكله وموضوعه يستوحي ما سمع من الشعر العربي وبخاصة عندما تطور ذلك الشعر إلى نمط الموشح والزجل من بعده. وقد ترك لنا هذا التروبادور الأول إحدى عشرة قصيدة، الثلاث الأولى منها تكاد تكون نسخة عن أي موشح أندلسي معاصر له. وقد استمرت هذه المحاكاة عند الشعراء التروبادور الآخرين الذين بلغ عدد المعروف منهم حوالي 400 إلى نهاية القرن الرابع عشر. ومن الموضوعات التي ظهرت في شعر التروبادور في تعظيم شأن الحب والمحبوبة، وأن الحب ليس خطيئة، وهذا يعود إلى ما شاع من آراء ابن حزم: متى جاء تحريم الهوى عن محمدٍ/ وهل مَنعُه في مُحكَمِ الذِّكر وارِدُ؟ فنجد التروبادور كَيلهيم دي مونتاناكَول يرى أن الحب «قوه تُحيل الأشرار أخياراً».
لكن هذا الازدهار في الشعر الدنيوي وموضوعه الأول الحُب، قد بدأ بالتضاؤل في إقليم بروفونس بعد الحملة الألبيجية التي قادها البابا إنوسنت الثالث من باريس نزولاَ إلى الجنوب الوثني للقضاء على تلك الحضارة المزدهرة، فتفرّق الشعراء التروبادور نحو صقليا حيث ملِكُها الامبراطور فريدريك الثاني (1194- 1250) كان يرعى الشعر والشعراء في البلاط الكبير الذي كان يضم أكثر من ثلاثين شاعراً يقلِّدون البروفينسيين في كتابة الشعر، وكان مَلِكُهم الذي اتخذ لنفسه لقب «الامبراطور الرومي المقدس» يدور بهم في بلاطات الجنوب الإيطالي، وهناك حدث الإختلاط الأوسع مع شعراء إيطاليا وأوّلهم دالينتيني، الذي يعزى إليه ابتكار نمط الغنائية وهي القصيدة ذات الأربعة عشر بيتا التي تلتزم وزناً واحداً وقافية على نمط أب ب أ، أ ب ب أ ثم ج د ه ج د ه وقد تتنوع هذه على هوى الشاعر. وقد التقط هذا النظام شاعر إيطاليا الأكبر دانته آليكَييري في مجموعته بعنوان»الحياة الجديدة». وبعده قلّدها بتراركا وترجمها إلى الانكَليزيه الشاعران وايات وسَري، فالتقطها شكسبير وطوّر في تسلسل قوافيها لكن بقي الموضوع هو الحب البشري الإنساني في أصفى أشكاله.
ومع هجرة شعراء بروفانس إلى صقيليا وجنوب إيطاليا هاجر قسم آخر إلى الشمال الغربي من فرنسا إلى منطقة بريتاني، ومن هناك انتقلوا إلى إنكَلترا، إلى بلاط الملك هنري الثاني (1154) وزوجته الأوكسيتانية، إليانور، حفيدة التروبادور الأول. وثمة قصيدة مشهورة تعود إلى بدايات القرن الثالث عشر، بعنوان «أليسون» تبيِّن شدّة الاقتراب من الشعر البروفانسي من حيث موضوع الحب والموقف منه، ومن حيث نظام المقاطع والتقفية. وهذه قصيدة من أربعين بيتا تنقسم إلى أربعة مقاطع قوافيها ألف باء ألف باء ثم باء باء باء جيم. فلو أعدنا ترتيب الأبيات الأربعة الأولى ألف باء ألف باء وأبقينا على تسلسل بقية المقطع لكان لنا صورة من نظام الموشح، وخاصة مع وجود «الخَرجة» التي تتكرر على شكل أغنية. وهذا النظام الدقيق في تقسيم المقاطع في التراث الشعري الأوروبي، حتى في غنائيات التروبادور أو التروفير من شمال غرب فرنسا، وتقسيم الأبيات ونظام القوافي: ألف باء ألف باء ثم باء باء باء جيم، يكاد أن يجعل من قصيدة «أليسون» صورة عن موشح لابن زُهر: أيها الساقي اليك المشتكى. نظام القوافي في قصيدة «أليسون» هو ألف باء ألف باء، باء باء باء جيم، دال دال دال جيم.
وقد ظهر في بدايات القرن العشرين عددٌ من الكتب بالانكَليزية تبيِّن مدى تأثربعض الشعر الانكَليزي بمفهوم الحب عند شعراء التروبادور والتروفير إلى جانب نظام القوافي مع الإشارة مباشرةً إلى الموشح والزجل بجذورها في شعر الغزل العربي المشرقي. من ذلك كتاب الأب هنري جيتر بعنوان «التروبادور» 1912 وكتاب «التروبادور وانكَلترا» 1923. وثمة مثال طريف من شعر جوسَر في «حكاية صاحب الأطيان» فيها أصداء من مفهوم الحب عند الشعراء التروبادور لا تخفي جذورها الأندلسية. لكن الأكثر وضوحا نجده في غنائيات شكسبير. وبعد ذلك تكون قصائد الحب باللغة الانكَليزية قد توسّعت وانتشرت وتطوّرت بحيث لم يعد بالإمكان تبيّن الجذور العميقة إلاّ لعَينِ الباحث المدقق.

 عبد الواحد لؤلؤة