الرئيسية / home slide / بين تحديات ولادة “لبنان الكبير” والمئوية: التاريخ يستعاد؟

بين تحديات ولادة “لبنان الكبير” والمئوية: التاريخ يستعاد؟

إعلان دولة لبنان الكبير (أرشيفية).

المصائب والمخاطر التي يواجهها لبنان اليوم والمتمثّلة بانخراط هذا البلد الصغير من دون ارادته في حروب المنطقة وربطه بمشاريع اقليمية لا تشبهه، إلى حدّ الخوف الجديّ على زواله إذا لم يمتنع قطعياً عن الدخول في صراعات وحروب اقليمية ودولية، وهو المكوّن الذي يشكّل أحد أبرز بنود “مذكّرة لبنان والحياد الناشط” التي أطلقها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي؛ هذه المخاطر كان شهدها لبنان منذ ولادته في الأول من أيلول 1920. لم يمضِ أشهر قليلة على صدى التصفيق والاحتفالات التي عمّت أرجاء البلاد بعد إعلان قيام لبنان الكبير، حتّى طالب مؤيدو هذه الفكرة في الأقضية التي ضمّت الى جبل لبنان بالحماية الأمنية حفاظاً على سلامتهم بعد تجدّد الحوادث الدامية أو التوتّرات الأمنية والسياسية التي اندعلت في غير منطقة من كانون الأول 1921 إلى كانون الأول 1925 وآذار فتموز 1926. وقد واجه البطريرك الياس الحويك صعوبات جمّة، بعد انعقاد المؤتمر السوري – الفلسطيني في جنيف بين 25 آب وحتى 21 أيلول 1921 الذي رفض الانتداب الفرنسي وطالب بالوحدة السورية. وعلم البطريرك الحويّك أنّ ثمّة محاولات يسوقها البعض للترويج بأن اللبنانيين قد رجعوا عن رأيهم في فكرة لبنان الكبير.

وذكرت جريدة المحاكم لصاحبها يوسف آصاف بك يوم الاثنين 5 كانون الأول سنة 1921 خطاباً ألقاه البطريرك الحويّك أمام الجنرال غورو يوم زاره في أواخر ايلول من العام نفسه، معرباً فيه عن أماني أبناء لبنان وتمسكهم بدولتهم.

ويُذكر ممّا جاء في النصّ: “إذا جاءكم قوم مفسدون وقالوا لك إنّ اللبنانيين قد رجعوا عن رأيهم فلا تصدّق ما يقولون. أنا أنطق بلسان اللبنانيين على بكرة أبيهم فأقول لك إن اللبنانيين لأشدّ تشبّثاً اليوم بالاستقلال منهم في كلّ زمان مضى. ولئن كان عندك أقلّ شكّ في الأمر فأنا باستطاعتي في أربعة وعشرين ساعة أن آتيك بالبلاد كلّها شهادة وتأميناً”.

وقال البطريرك الحويّك: “إذا كان استقلال لبنان في خطر فأنا رغم شيخوختي بل رغم ما تكبّدته من المشاق وعانيته من التعب في السفرة الأخيرة، أنا أركب البحر بلا إمهال فأذهب الى باريس ولن أعود منها إلا وفي يدي عهد خطي رسمي أن الاستقلال أمر نهائيّ ثابت لا رجوع فيه”.

تأثّر الجنرال غورو بالخطاب وقال للبطريرك إنّه لا يرى ما يحمله على الخوف من اعتداء يصل الى استقلال لبنان. وسرد غورو الأعمال التي تشهد حبّه للبنان وغيرته عليه مكرّراً عهد فرنسا باحترام استقلال لبنان وتنفيذه… وهكذا كان.

في شهادة تاريخية يروي خلالها المؤرّخ الدكتور أنطوان الحكيم مرحلة ما بين 1920 و1943، يقول لـ”النهار” إنّ “الانتداب الفرنسي أعطى الكثير للبنان بدءاً من دولة بحدود واسعة ونظام سياسي متوازن يحافظ على حقوق كلّ الطوائف، ومنح نظاماً مع دستور 1926 الذي كان أفضل ما يمكن التوصّل اليه وقتذاك. ونظّم الانتداب الادارة وزاد عدد المدارس ووسّع المرافئ وأطلق عملية مسح الأراضي وأوجد نواة جيش وطني وقوى أمن وأنشأ عملة وطنية وقرّب المسيحيين من العالم العربي وساهم في اعتراف العالم العربي بصيغة لبنان، وبلور تقارباً ملحوظاً بين المسيحيين والمسلمين بخاصة بعد ظهور تيار ساهم بفعالية في الميثاق الوطني عام 1943 وعماده كلّ من كاظم الصلح وعادل عسيران وشفيق لطفي”.

المخاطر المحدقة بلبنان بعد مضي مئة سنة والتي عبّر عنها البطريرك الراعي، يختصر الحكيم طريقة معالجتها بـ”الولاء الى لبنان الذي يجب أن يكون هو الأساس”، مقارناً بين “القوة الجاذبة للبنان التي تمثّلت عام 1920 بغالبية مسيحية، والقوّة الجاذبة للبنان 2020 التي تغيّرت واصبحت مسيحية، سنية، درزية في مقابل قوة طاردة بعد ظهور تيار مع ولاية الفقيه ضمّ الى جانبه حلفاء من طوائف أخرى”. الخوف من ذوبان لبنان أو زواله بدأ يدفع مفكرين ومواطنين الى البحث عن “الكونفدرالية” التي تعني رسم حدود جديدة للبنان، يعبّرون عن ذلك صراحة في الاعلام وعبر مواقع التواصل. في رأي الحكيم أن “إذا كان الخطر على لبنان يهدّد بإذابته كلياً سيكون الخيار الأخير، وإن كان خيار اليأس، بالعودة الى لبنان الصغير (المتصرفية)، فيما الحلّ الأساسي في عودة الجميع الى حضن الدولة اللبنانية”.

بدوره، يرى الدكتور في التاريخ الحديث والمعاصر رياض نخول، الذي درس سيرة الرئيس اميل اده والعميد ريمون اده، أنّ “يوم النجاح في اعلان لبنان الكبير، انتصر المحور الفرنسي الذي أيّد فكرة لبنان الكبير المدعوم عسكريا ومن الفاتيكان، فشعر المسيحيون أنهم حققوا الغاية المطلوبة وشعر المسلمون بنوع من الامتعاض. انتخاب الرئيس اميل اده عام 1936 الذي اتخذ المبادرة وعيّن خير الدين الأحدب رئيساً للحكومة بعدما كان يترأسها مسيحيين، ما خلق تحولاً أكبر عند النخب الاسلامية. لا ننسى أن الشيخ مصطفى نجا كان جالساً الى جانب الجنرال غورو ما يؤكد أن النخب الاسلامية كانت تعترف بلبنان الكبير لكن بعض القاعدة الشعبية كان لا يزال متأثراً بالوحدة مع سوريا. وبعدما درج تقليد رئاسة الجمهورية للموارنة ورئاسة الوزراء للسنة ورئاسة مجلس النواب للشيعة، صار التحول في لبنان لقبول الجميع الصيغة اللبنانية حتى سنة 1943 التي شهدت ما يعرف بالميثاق الوطني الذي أبقى نوعاً من الاتفاق بين المسلمين والمسيحيين، لكن التجارب أثبتت أن الميثاق الشفهي لا يبني دولة وكان لا بدّ من ترجمة الصيغة الميثاقية بشكل أوضح في الدساتير”.

وفي البحث عن حلول لاستمرارية لبنان، يقول نخول لـ”النهار” إنّ “لبنان الصغير غير قابل للحياة لأننا جرّبنا هذه الصيغة في نظام المتصرفية، ولو كان قابلاً للحياة لم تكن البطريركية ناضلت للعودة الى المساحة الأكبر للحصول على جبال وسهول. فكرة الاستقلال لم تكن ناضجة سنة 1943 عند الشعب اللبناني، لأنه كان بمثابة انسان تحت سن الرشد لم يعرف التعامل معها. الاستقلال فعل تجدّد يوميّ، والمطلوب أن نبني انساناً مواطناً مؤمناً بالحقوق والواجبات، ويفعّل دولة القانون بدلاً من الاستمرار في غابة. لم يجرّب أحد فكرة الدولة اللبنانية التي تجمع كلّ الشعب. فلماذا تجرّب كل طائفة خوض تجربة السلاح والقوة حتى تتأكد أنها لا تستطيع أن تحكم كلّ الطوائف؟ الحلّ في العودة الى لبنان أكثر، ولم يستطع أحد طرح فكرة غير لبنانية، الذهاب فيها الى النهاية”.

majed.boumoujahed@annahar.com.lb