الرئيسية / أبحاث / أبحاث اقتصادية / بين المهمّ والأهمّ يترنح الاقتصاد اللبناني

بين المهمّ والأهمّ يترنح الاقتصاد اللبناني


مروان اسكندر
النهار
18082017

المرحلة الاقتصادية التي تخيم على آفاقها توقعات متشائمة ربما لم يواجهها لبنان منذ عقود، والقيادة السياسية تتناسى الاسباب الجوهرية لفقدان الامل في النمو وتنوع النشاطات وتعدد الابتكارات، وشبابنا وشاباتنا يسعون للهجرة بأعداد متزايدة.

لقد كان هنالك خط اصلاحي لتنفيذ بنود تلك الخطة على رغم اغتيال الحريري، لان عملية الاغتيال ووحشيتها جيّشتا مشاعر اللبنانيين ضد القهر وتسلّط الاحتلال وتوسع العمالة بين عدد كبير من السياسيين ارتهنوا لارادة الحكم السوري، وكان الامر واضحًا بعد انقضاء أشهر على اغتيال الرئيس الحريري وفورة 14 آذار 2005.

حرب الـ2006، ونجاح “حزب الله” في مواجهة الإسرائيليين، نتجت منهما فائدة معنوية كبيرة نظراً الى القدرة على المواجهة، ومن ثم برزت اضرار اقتصادية وبشرية فادحة توسعت نتيجة الاعتصام وسط العاصمة لفترة سنة وستة اشهر اغلقت خلالها 172 مؤسسة تجارية وخدماتية أبوابها في وسط البلد، والاهتمام بسلامة النواب تسبب بعزل جزيرة باطار 500 متر حول مبنى البرلمان عن الوسط.

تأكيد التراجع عن أي اصلاح اداري تكرس في اتفاق الدوحة عام 2008 وكان القصد من اجتماع الدوحة معالجة نتائج انفلاش السلاح على ساحة بيروت الغربية عام 2007. وقد تعطلت الحياة السياسية والى حد بعيد الاقتصادية خصوصا بإغلاق مبنى البرلمان فترة تقرب من سنتين. واتفاق الدوحة أوجب ان تتخذ القرارات السلطة التنفيذية، أي الحكومة بغالبية الثلثين زائد واحد، وكانت النتيجة ولا تزال: تجميد المبادرات الاصلاحية والانمائية وارتهان اقرار المشاريع الكبرى وتنفيذها بمصالح الكتل النيابية المتمثلة في الحكومة. ولو كان لدينا تشريع دستوري يمنع الجمع بين عضوية مجلس النواب وعضوية مجلس الوزراء لكان من الممكن تفادي تجميد المبادرات الايجابية المطلوبة. ويقول الرئيس عون إن الانماء يرتهن بتطوير البنية التحتية، وتعزيز استقلال القضاء، وتسهيل انشاء المؤسسات وتشجيع المبادرات، وكل ذلك صحيح لكن اسسه مفقودة.

تؤمن وزارة المال كل شهر امكان تسديد 340 الف شيك للموظفين، والمتعاقدين، والمتقاعدين. والفئة الاخيرة أي المتقاعدون تبلغ نسبتهم من المجموع 30 في المئة ومن كلفة المعاشات 40 في المئة. فأرقام سلسلة الرتب والرواتب قبل احتساب زيادات معاشات وتعويضات التقاعد كانت تبغ 1200 مليار ليرة لبنانية وزيادات معاشات وتعويضات التقاعد أضافت 760 ملياراً.

البحث الجاري اليوم هو حول كيفية تمويل السلسلة وتفادي تضييق خناق الازمة الاقتصادية. والأمر يحتاج بوضوح الى الاجابة عن سؤال واحد أساسي، كيف لنا ان نستعيد معدل نمو سنوياً على مستوى 5 في المئة لنوسع فرص العمل للشباب ونسعى الى تنويعها واغنائها. كيف لنا ذلك في ظلّ المؤشرات الآتية:

– سيطرة للقطاع العام على مفاصل الحياة الاقتصادية بنسبة 55 في المئة من الدخل القومي، والادارة العامة مهترئة ومرتهنة بالقرارات السياسية التي اصبحت مقيدة منذ اتفاق الدوحة عام 2008.

– استمرار توقّف أعمال مصفاتي طرابلس والزهراني (ما عدا استعمال الخزانات) وتقاضي اعداد موظفي المصفاتين تعويضات ملحوظة.

– استمرار موظفي مصلحة السكك الحديد في تقاضي الرواتب وقريبًا زيادات غلاء المعيشة وهم لا يقبلون على العمل.

– توسع نشاطات الاقتصاد الاسود الى نسبة 35 في المئة من حجم الاقتصاد الكلي من غير أن نستطيع مراجعة النشاطات المعنية أو احتساب وقعها الاقتصادي والمالي على الاقتصاد اللبناني والمديونية العامة.

– اقرار تشكيل هيئة للأشراف على خدمات الكهرباء من القطاع العام منذ عام 2005 وننتهي بإدارة من مدير عام وأقارب له وعجز على مستوى 2100 مليار ليرة لبنانية، أي عجز يفوق كلفة السلسلة وملاحقها. وكيف يجوز ان نبحث في ارقام الموازنة من غير ان نتطرق الى عجز الكهرباء الذي يتآكل القدرات المالية والاقتراضية وتبقى اموره معلقة وكأنها معضلة المعضلات.

البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، الصناديق العربية، الصناديق الدولية، الدول المتمتعة بفوائض ملحوظة كالصين والمانيا على استعداد لمساندة حاجات لبنان شرط ان يعالج موضوع الكهرباء بشكل منطقي وبمنأى عن محاولات اكتساب المنافع على حساب المجتمع. وشرط دمج زيادة انتاج الكهرباء بمعامل تحويل النفايات الى طاقة كما نشهد في أوروبا والكويت على سبيل المثال.

فكيف نحرك توجهات المشاركة بين القطاعين العام والخاص في تطوير الخدمات الرئيسية، كالكهرباء، والاتصالات، ومعالجة شؤون البيئة، والمواصلات، والتربية، والتكرير واختراق جدار اللاعمل في مجال اطلاق عمليات البحث والتنقيب عن النفط، ما دامت هنالك مساع مذهبية لاقتناص المنفعة الرئيسية من كل مشروع اساسي يمكن الاستفادة من مشاركة القطاع الخاص في تنفيذه؟!

اذا شئنا بالفعل ان نحقق تقدمًا على الصعيد الاقتصادي المالي والاجتماعي، علينا الالتفاف حول الوطن بدل التمسك بالانتماء الى مذهب، أو طائفة، أو حزب طائفي.

لقد شهدنا تحركات كان القصد منها السعي الى تحقيق اختراقات تسهم في بعث الامل في النفوس، ومن أولى المبادرات التي بعثت على الامل حركة بدنا نحاسب، وطلعت ريحتكم، ولائحة بيروت الشبابية، فاين اصبحت تلك المبادرات التي كانت تعبر عن تبرم من غير ان تركز على تنظيم فعال ومستمر؟ أضف عملية جمع النفايات وفرزها بواسطة شركة سوكلين التي كان صاحب غالبية اسهمها بلّغ الحكم انه ينوي التخلي عن هذه المهمة في نهاية عام 2014، لكن الحكومات المتعاقبة لم تتوصل الى حلول جذرية وعاد ميسرة سكر يوفر السند لعمليات الجمع والفرز وكان منذ سنتين متهماً بالاستفادة الخ. لعلّه اليوم باستمراره في العمل يستحق أعلى وسام للإنجاز، فاين انجاز السياسيين ليعود الامل الى لبنان؟

اضف رد